الثلاثاء 2026/3/31 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 14.95 مئويـة
نيوز بار
الحياد المستحيل.. العراق بين وهم النأي وتفاصيل الانحياز
الحياد المستحيل.. العراق بين وهم النأي وتفاصيل الانحياز
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب علاء الطائي
النـص :

مرَّ عام تقريبًا على نشر مقالنا الأول حول استحالة سياسة الحياد للعراق. كنا نعتقد حينها أن المشكلة تكمن في نقص الأدوات الاستراتيجية التي تجعل من "النأي بالنفس" خيارًا ممكنًا.. لكن ما حدث خلال هذا العام لم يترك مجالًا للشك المشكلة ليست في غياب الأدوات فقط بل في أن هذا الشعار تحول إلى "شاهد زور" يخفي عجزًا سياسيًا وعسكريًا ويضفي شرعية وهمية على واقع من الانحياز غير المعلن.ما زالت الحكومة تردد أن الحياد خيار استراتيجي بينما تستمر الطائرات المسيرة وصواريخ الكيان اللقيط في استهداف مواقع عسكرية وشخصيات وطنية عراقية داخل العاصمة بغداد وفي مدن أخرى دون أن تمتلك الدولة ردعًا أو حتى موقفًا واضحًا.. هذا ليس حيادًا هذا ارتضاء ضمني بالعدوان يرتدي عباءة "عدم التورط".

الحياد في عالم متحزب.. خرافة لم تعد تحتمل

منذ عام ونحن نرى كيف أن الجغرافيا العراقية لم تكن يومًا "في وسط النيران" مجازًا بل أصبحت مسرحًا مفتوحًا للصراع.. حين يقصف الأمريكي والصهيوني مواقع عسكرية عراقية وتعلن ذلك علنًا ويأتي الرد العراقي على شكل بيانات استنكار لا تتجاوز "التنديد" فإن السياسة الخارجية لا تكون حيادية بل تكون في موقع المتفرج على سيادته وهي تُنتهك.الحياد في العلاقات الدولية ليس موقفًا أخلاقيًا يُعلن في المؤتمرات الصحفية هو بنية معقدة تتطلب قوة ردع واستقلالًا اقتصاديًا وتوازنًا دقيقًا في العلاقات.. عندما تكون الدولة عاجزة عن حماية أراضيها من انتهاك متكرر وعاجزة عن تقديم أي عن الذين استُهدفوا أو حتى عن تحديد هوية المعتدي بدقة فإن كلمة "حياد" تصبح مجرد غطاء إعلامي لعجز مؤسساتي.

مؤشرات الوضع الراهن  عندما يتحدث الواقع بدل البيانات

إذا أردنا أن نكون موضوعيين فإن مؤشرات الأشهر الأخيرة ترسم صورة قاتمة لهذا الخيار المستحيل. استمرار استهدافات الكيان وأعوانه لم تعد هذه الاستهدافات سرية أو محدودة..  تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لضربات تُنسب للكيان تستهدف أحيانًا قادة ميدانيين وأحيانًا مواقع لوجستية وسط صمت رسمي يعجز عن تقديم قراءة موحدة للحدث.. انقسام الداخل وانعكاسه على الخارج الإطار التنسيقي الذي يتحمل مسؤولية إدارة الدولة يظهر هو نفسه منقسمًا في قراءته لهذه الهجمات بين رافض ومبرر وصامت.. هذا الانقسام يعكس حقيقة أن القرار العراقي ليس واحدًا وبالتالي فإن الحديث عن "سياسة خارجية موحدة" هو وهم آخر.. الحياد كذريعة للتخلي عن الدور. الأهم من ذلك أن شعار "النأي بالنفس" لم يعد يستخدم لحماية العراق من الصراعات بل أصبح ذريعة للتخلي عن أي دور إقليمي أو حتى عن الالتزام بالحد الأدنى من السيادة.

مالكوم إكس ونهاية البراءة السياسية

ربما آن الأوان أن نتذكر مقولة مالكوم إكس التي تختصر هذه المعضلة "إذا رأيت أحدهم يتفاخر بحياده في معركة بين الحق والباطل فأعلم أنه قد اختار صف الباطل سرًا."هذه المقولة ليست مجرد شعار أخلاقي بل هي تحليل واقعي.. في السياسة "اللون الواحد هو الانحياز".. حتى الحياد إن لم يكن مدعومًا بقوة وموقف يتحول إلى شكل من أشكال التبعية. فالعراق اليوم بفعل عجزه عن حماية نفسه وعن تحديد موقف واضح من عدوان متكرر على سيادته لم يعد محايدًا بالمعنى الحقيقي.. هو طرف بالوكالة عن غيره ودور الممثل الصامت في مسرحية كُتبت خارج حدوده.

إعادة التعريف.. ضرورة أم انتحار سياسي؟

لا أحد يدعو العراق إلى خيارات انتحارية أو إلى الانخراط في حروب نيابة عن الآخرين.. لكن دعوتنا هي أن نعيد تعريف السياسة الخارجية بمنطق مختلف.. سياسة خارجية تعتمد على الردع أولًا وليس على التوسل..موقف وطني موحد ينطلق من ثوابت واضحة السيادة ورفض الاعتداءات وحماية الدم العراقي أينما كان.. الاعتراف الصريح بأن العراق جزء من محيطه الإقليمي وأن أي حياد حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من موقع قوة وليس من موقع ضعف.لقد آن الأوان نقولها بصراحة.سياسة "النأي بالنفس" بهذا الشكل لم تعد ممكنة..نحن أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن نعترف بأننا منحازون بحكم الجغرافيا والتحالفات والعجز ونعمل على إدارة هذا الانحياز بطريقة تحقق المصالح العليا للعراق وإما أن نستمر في هذا الوهم الذي يدفع ثمنه الدم العراقي والسيادة الوطنية يوميًا..الحياد المستحيل ليس مجرد عنوان مقال هو وصف دقيق لحالة عراقية تعيش على حافة الانفجار بين من يتفرج ومن يتاجر بالشعارات.

المشـاهدات 77   تاريخ الإضافـة 30/03/2026   رقم المحتوى 70897
أضف تقييـم