| النـص :
يمكن إسقاط عنوان المعايير المزدوجة أو سياسة الكيل بمكيالين على أكثر من حالة في عالمنا المتخم بالتناقضات والمفارقات، ولاسيما على صعيد المعادلات الاجتماعية والسياسية، سواء المرتبطة بالسياسات الدولية أو السياسات الإقليمية، وصولا إلى السياسات المحلية في بلد من البلدان.لا يرى الغرب أي تناقض في سلوكياته وفي سياساته التي يستخدمها تجاه منطقتنا أو تجاه الشعوب الأخرى، وتحديدا ما يعرف بسياسة المعايير المزدوجة، فهذا هو الغرب، في عقله وفي تكوينه وفي بنيته الفكرية وفي منظومته. نحن نعتبره متناقضا في سلوكياته وازدواجيته، وتنطوي تصرفاته على كثير من المفارقات، ولكنه لا يرى نفسه كذلك؛ لان هذه السياسات تعبر عن وعيه بنفسه وبالآخر، وتستند إلى بنيته؛ إذ إن العقل الغربي هو عقل مصلحي براغماتي مادي استعلائي. وهذه الأوصاف قد تكون في المعايير المثالية أو القيم الأخلاقية أو المبادئ الإنسانية الأساسية لونا من الشتيمة، ولكنها في معايير القيم الفكرية والسياسية الغربية تمثل الواقعية والعقلانية بكل خصائصهما التي فصلها العقل الغربي على مقاساته. ومن هنا فان مضمون مصالح الغرب وشكلها تمثل وعي هذا العقل بذاته وبالآخر، وتتمظهر في سلوكياته، وهي سلوكيات تمثل العقلانية والواقعية من منظاره، والمزدوجة من منظارنا. وهذا ما يجعل الغرب منسجما بالكامل مع نفسه.كم موضوع يمكن عرضه في هذا المجال! وكم وثيقة يمكن تقديمها، وكم حدث يمكن الاستشهاد به! مئات الحوادث!؟..آلاف الوثائق!؟.. ملايين الموضوعات!؟ فمنذ القرن الخامس عشر الميلادي وحتى الآن والغرب الاستعماري يمارس أبشع ألوان المعايير المزدوجة. فهو من جهة يرفع شعارات الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان والحريات، وربما تجد تطبيقاتها في الداخل الغربي بصورتها ومضمونها المتناسبين مع الأفكار، لكنه في الوقت نفسه ينتهك حقوق الإنسان بأكثر الصور ترويعا في جغرافيا الشعوب المستعمرة أو المناطق التابعة لنفوذه. ومثال ذلك فرنسا الداخل: الثورة المناهضة للاستبداد والحكم المطلق والمنادية بالحقوق والحريات، وفرنسا الخارج: سجلها الاستعماري والتبشيري في شمال أفريقيا ووسطها وبلاد الشام. ومثال بريطانيا العظمى: تقاليدها العريقة في أساليب الحكم والإدارة، وأفكار علماء السياسة والقانون فيها، وسجلها الاستعماري في الخارج: الاحتلالات وألوان الاستيطان في آسيا وأفريقيا وأمريكا، فضلاً عن تأسيسها أسوء مشروع استعماري استيطاني في فلسطين. وكذلك مثال الولايات المتحدة الأمريكية التي تنتمي إلى أكثر دساتير العالم تحضراً، والى أفكار ثورتها الاستقلالية التحررية، وتبشيرها بكل ما يتناقض مع سلوكيات بريطانيا المستعمرة آنذاك، ولكنها في واقع الحال تأسست على أكبر تناقض في تاريخ البشرية؛ فمبادئ الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والليبرالية التي تأسست عليها، والذي تمثل في سلوكها التأسيسي؛ ترجمتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى أبشع ألوان الاستعباد وانتهاك حقوق الإنسان ضد السكان الأصليين وضد السود وضد الشعوب اللاتينية وغيرها من الشعوب غير الأوربية.وهو ما فعلته أيضاً عبر التبشير بمبادئ ثورتها في أمريكا الوسطى وشرق آسيا، ولاحقا في الشرق الأوسط، والمثال الأبرز في هذا المجال موقفها من القضية الفلسطينية الذي ورثته من بريطانيا؛ إذ استخدمت أمريكا في مجلس الأمن الدولي حق الفيتو حتى الآن أكثر من (95) مرة لمصلحة الكيان الصهيوني؛ للحيلولة دون صدور أي إشارة من مجلس الأمن يدين انتهاكات إسرائيل لحق الإنسان الفلسطيني في مجرد العيش أو البقاء في داره، فضلا عن العيش بكرامة وحرية واستقلال، وهو سلوك تأسيسي أيضاً يتطابق مع السلوك الذي قامت عليه الولايات المتحدة. وأمريكا التي تقول إن مسؤوليتها (الأبوية) تجاه العالم تجعلها تبحث عن أي إنسان في غابات الأمازون أو مجاهيل أفريقيا لتدافع عن حقه، تتحد في الوقت نفسه اتحادا مصيرياً كاملا مع سلوك إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهما من شعوب الجوار. وفي الوقت الذي يصر الغرب على منع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية، ويعده مشروعاً تستحق عليه إيران اشد أنواع العقوبات؛ في حين يرعى الغرب البرنامج النووي العسكري الباكستاني، ويقاتل من أجل حماية الترسانة النووية الإسرائيلية. هذا هو الغرب؛ لا يتنكر لهذه المعايير المزدوجة ولا يمارسها بسرية، بل بكل صراحة وشفافية؛ فهو منسجم مع عقله ومع منظومته الفكرية وهو يمارس هذه السلوكيات. ومن هنا؛ يفترض أن لا ننظر الى الغرب من خلال الأنا أو من خلال وعينا بذاتنا؛ بل من خلال وعيه بذاته ونظرته لنفسه، وحينها لن نستطيع محاججته على سلوكياته وأفكاره ومبادئه؛ لأنه منسجم مع نفسه ولا يتستر وراء شعارات، كما تفعل بعض الجماعات والتيارات والأنظمة في منطقتنا، والتي تعيش التناقض بين مبادئها وشعاراتها وممارساتها في كثير من الكليات والتفاصيل.وعبثية محاججة الغرب في وعيه، لا تعني عبثية مقاومته؛ إذ أن المقاومة هي الحل مع الغرب، وليس المحاججة. والمقاومة هنا لا تعني المقاطعة؛ بل تعني مقاومة مشروع الغرب في منطقتنا. أما المحاججة فهي مع المشتركين معنا في الجغرافية والأصول. ولا نريد هنا الدخول في مقاربات فكرية في إطار ما يطرحه بعض المفكرين والباحثين أمثال إدوارد سعيد من اختزان الوعي الغربي لتناقض المعايير في وعيه، باعتباره يعي الآخر من خلال وعيه بذاته. وإذا كان الغرب يعيش هذه المفارقة؛ فمن الأَولى أن لا نعيشها نحن، في الوقت الذي ننتقده على بنية الوعي لديه. ونحن كجماعات أو تيارات أو شعوب تلتزم مشروعها النابع من بيئتها الفكرية وواقعها، ماذا يجب أن يكون فعلنا تجاه المعايير الغربية التي تستهدف منطقتنا!؟ هل يكفي الاستنكار والصراخ والبكاء! وهل يكفي نقد الغرب أو التوسل إليه ليكف عن ممارسة هذه المعايير؟! ثم من هو الذي يمتلك الفعل الحقيقي في هذا المجال؟! هذا الأسئلة تبقى مطروحة؛ لان الإجابة عليها هي التي تحدد نوعية الفعل الحقيقي. وبشكل عام يبدو أن مجرد الخطاب التحريضي لن ينفع في هذا المجال وأي مجال آخر، إلا إذا اقترن بصناعة رأي عام إقليمي ودولي مقاوم يمكنه كبح جماح السياسات الغربية أو بعضها تجاه قضايانا، يتم فيه تجاوز الانفعال أو ردود الأفعال؛ إلى الأفعال.
|