الأربعاء 2026/4/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 24.42 مئويـة
نيوز بار
تيليجرام بين القرار والجدل
تيليجرام بين القرار والجدل
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب مصطفى طارق الدليمي
النـص :

 

 

 

يُمثّل الفضاء الرقمي في العراق ساحة صراع محتدمة تتجاوز حدود التواصل الاجتماعي لتلامس جوهر الأمن القومي وحقوق الإنسان حيث يأتي قرار تقييد أو غلق تطبيق تليجرام في فترات زمنية متباينة ليعيد إلى الواجهة جدلية قديمة متجددة حول النقطة التي تنتهي عندها مقتضيات حفظ أمن الدولة وتبدأ حقوق المواطن في الوصول إلى المعلومات وتستند الجهات الرسمية في مبررات الغلق عادةً إلى حماية البيانات الشخصية للمواطنين ومنع تسريب المعلومات الحساسة التي قد تمس مؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل الاعتماد الواسع على التطبيق كمنصة أساسية لتداول الأخبار والوثائق مما أفرز تحديات تتعلق بالأمن السيبراني ومكافحة المنصات التي تروج لخطاب الكراهية أو السيطرة على تدفق المعلومات المضللة التي قد تؤدي إلى اضطرابات أمنية في لحظات التأزم السياسي وعلى الجانب الآخر ينظر المراقبون والحقوقيون إلى إجراءات الإغلاق بوصفها قيوداً قد تعيق العمل الصحفي والنشاط المدني باعتبار التطبيق يمثل الرئة الإعلامية والوسيلة الأساسية للصحفيين لنقل الخبر بسرعة فائقة فضلاً عن كونه فضاءً بديلاً للنقد البناء والحوار المجتمعي بعيداً عن مقص الرقابة التقليدي ولا يتوقف أثر الغلق عند الجانب السياسي بل يمتد ليشمل الاقتصاد الرقمي الناشئ إذ تعتمد مئات المشاريع الصغيرة والناشئة في العراق على تليجرام كقناة تسويقية وتواصلية أساسية مما يجعل أي اضطراب في الخدمة سبباً في خسائر مادية تؤثر على شريحة واسعة من الشباب الطامح لتجاوز عقبات البطالة والروتين الإداري وتتضاعف خطورة هذا الإجراء عند النظر إلى البنية التحتية للمعلومات في العراق فالتطبيق ليس مجرد أداة مراسلة بل هو “بنك معلومات” غير رسمي حيث تُدار عبره قنوات حكومية رسمية ومنصات إخبارية شبه رسمية مما يجعل قرار الحجب بمثابة قطع لشرايين المعلومات التي يعتمد عليها المواطن في استقاء بياناته اليومية كما أن الحجب يثير تساؤلات قانونية حول “قانون جرائم المعلوماتية” ومدى توافقه للدستور العراقي الذي يكفل حرية التعبير خاصة وأن لجوء المستخدمين لبرامج كسر الحجب (VPN) يفتح ثغرات أمنية أخطر حيث يعرض بيانات المستخدمين للاختراق من قبل جهات مجهولة توفر هذه الخدمات المجانية ما يقلب الغاية الأمنية من الحجب إلى مخاطر سيبرانية مضاعفة تهدد الخصوصية الفردية والأمن المجتمعي على حد سواء علاوة على ذلك يبرز البُعد التقني المتمثل في صعوبة السيطرة على “السحابة الرقمية” العابرة للحدود فالتجارب الدولية أثبتت أن سياسة “الجدران الرقمية” لم تعد فعالة في مواجهة التشفير العالي الذي تتمتع به منصات مثل تليجرام لذا فإن استمرار الصدام بين السلطة التنفيذية والمنصات العالمية دون وجود اتفاقيات قانونية ملزمة يضع الدولة في موقف المطارد تقنياً بينما يظل المستخدم هو الضحية في فجوة انقطاع الخدمة وغياب البدائل المحلية الرصينة التي يمكن أن تعوض الفراغ الذي يتركه غياب المنصات العالمية إن غياب السيادة الرقمية الحقيقية المتمثلة في امتلاك منصات وطنية أو خوادم محلية تجعل الدولة تلجأ إلى الحل الأسهل وهو الحجب وهو حل مؤقت لا يعالج جذور المشكلة التقنية أو الأمنية  فإن أزمة تليجرام تعكس الصراع على الرواية الإعلامية ففي زمن الحروب والأزمات يصبح التحكم في تدفق المعلومات جزءاً من العقيدة الأمنية للدول إلا أن هذا التوجه يصطدم بواقع “المواطن الصحفي” الذي بات يمتلك أدوات البث والنشر والتعليق بشكل يفوق قدرة الأجهزة الرقابية على الضبط الشامل إن محاولة تدجين الفضاء الرقمي عبر الحجب قد تؤدي إلى نتائج عكسية حيث تدفع الجمهور نحو منصات أكثر سرية وتشفراً مما يصعب من مهمة الرصد والتحليل الأمني في المستقبل ويخلق فجوة ثقة عميقة بين مؤسسات الدولة والجيل الرقمي الصاعد الذي يرى في الإنترنت حقه الطبيعي في التعبير والوجود كما يجب التوقف عند الأثر النفسي والاجتماعي لمثل هذه القرارات فالمجتمع العراقي الذي عانى من عزلة طويلة في عقود سابقة ينظر إلى تقييد الوصول للمنصات الرقمية كنوع من العزل الحديث أو العودة إلى الوراء  هذا الشعور بالإحباط الرقمي يغذي السخط الاجتماعي ويجعل من المنصات الرقمية وقوداً للاحتجاجات بدلاً من أن تكون قنوات للحوار إن تحويل تليجرام من وسيلة تواصل إلى رمز للمقاومة الرقمية هو أكبر تحدٍ يواجه صناع القرار حيث تصبح المنصة في الوجدان الشعبي مرادفاً للحرية الشخصية التي يجب الدفاع عنها مما يعقد المشهد الأمني والسياسي أكثر مما يسهم في حله إن معالجة هذه الأزمة لا تكمن في استراتيجية “المنع المطلق” الذي يمكن تجاوزه تقنياً بل في إرساء تشريعات رقمية حديثة تضمن الشفافية في معايير التقييد وبناء جسور تعاون تقني مع الشركات الدولية لضمان حماية بيانات المستخدمين وفق المعايير العالمية مع ضرورة رفع مستوى الوعي الرقمي حول مخاطر تداول المعلومات الحساسة ويبقى ملف تليجرام اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الموازنة بين فرض هيبتها وحماية أمنها وبين التزامها بالمعايير الديمقراطية حيث إن المعركة الحقيقية اليوم ليست في إغلاق المنصات بل في كيفية إدارتها وحوكمتها بذكاء وتحويلها من ثغرات أمنية محتملة إلى أدوات تنموية واجتماعية تخدم الصالح العام وتواكب التحولات المتسارعة في عصر تدفق المعلومات العابر للقارات وبناء منظومة رقمية وطنية قادرة على الصمود دون الحاجة إلى سياسات الحجب التقليدية التي أكل الدهر عليها وشرب .

المشـاهدات 63   تاريخ الإضافـة 08/04/2026   رقم المحتوى 70970
أضف تقييـم