تأملات في بنية
تخطيطات الفنان كريم سيفو![]() |
| تأملات في بنية تخطيطات الفنان كريم سيفو |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
كريم سعدون *
ان وقفة متأملة لما تجدر الاشارة اليه في مجموعة التخطيطات التي انجزها الفنان كريم سيفو تضعنا امام سؤال في الكيفية التي سنهيئ فيها الخطوات التي تقودنا لتفحصها ثم تبيان موقعها في مجمل المنجز الفني له منذ ثمانينات القرن الماضي وصولا الى ماينتجه الان وسوف لن نخرج ابعد من دائرة انجازه الا فيما يتعلق بالمرجعيات الثقافية التي استلهم منها وشكلت بنية التخطيطات ومحورها والعلامات التي تنتظم فيها وكذلك الدافع الى اخراجها وتوافقها مع التكوين الذي اشتغل عليه في لوحاته المسندية، فمن المعروف لدي ان الفنان سيفو عمل على سطح لوحته منذ تسعينات القرن الماضي مغادرا ماعرف عنه من اشتغالاته السابقة، وحيث تعد قضية الاشتغال على سطح اللوحة ملعبا واسعا يمرر الكثير من الاشتغالات الفنية ويعدد اساليب الفنانين منذ بدايات القرن العشرين ولحد الان، لان الاساليب التي تلتزم القواعد الموروثة في انتاج الفن التشكيلي والتي سبقت هذا التاريخ لم تعد تقدم الكثير من المرونة والحيوية والحرية في التعبير وتحد من امكانية تحليق الفنان في أُفق جديد يتماشى مع وقع العصر ومتغيراته السريعة وتحولاته الفكرية ووفقا لذلك ظهرت تيارات فنية دعت الى التوافقات الشكلية على سطح اللوحة لتفتح آفاق المخيال الى مداها ولتعرّض قواعد التلقي الى هزة جعلت الجديد مقبولا ويجري التفاعل معه بصريا . ولم يكن العراق بعيدا عن هذه المتغيرات وهو حديث العهد في التعرف الى الفن التشكيلي الحديث انذاك وظهرت ميول الفنانين الجادة الى الاستفادة مما يجري في عالم الفن فظهر في العراق في الستينات من القرن الماضي فنانون محدثون شكلوا الابوة الروحية لجيل من الشباب الراغب في التميّز وعيش عصره. فانطلق حراك فني لانتاج المغاير والمختلف وامتد تأثير ذلك وهو ما يهمنا هنا في مابعدها أي سنوات السبعينات والثمانينات التي زخرت بأسماء حثت خطاها الواسعة متطلعة لان تشغل مكانها وتركز حضورها ونتاجها في مسيرة التشكيل العراقي وكان الفنان كريم سيفو واحد من تلك الاسماء الذي اشتغل بجهد واضح ليرسخ اسمه وحضوره. ولعل من المفيد القول ان هذه السنوات وماتلتها قد افرزت واقعا جديدا وحياة تحفل بمظاهر القسوة أعادت لظهور الجسد والاشتغال العلامي عليه كضرورة وكمعادل موضوعي يحتم التناول الجديد والصادم في الفن ويركز دوره وفعالية حضوره بالاضافة الى تأثيرات الدعوات الواسعة الى العودة الى التراث الثقافي العراقي والعربي عموما حيث اوجدت سعة في القاموس العلامي للفنان وفي نفس الوقت افرزت اتجاها اخر يبتعد فيه الفنان عن مصادره الاولى ويقترب فيه من التجريد الخالص لاسباب قد بدت الان واضحة. ولعل المتابعة الحثيثة لاعمال كريم سيفو تتيح للمتلقي التعرف على التحولات التي حصلت في تجربته وتفرز خطواتها فقد عرض في الثمانينات اعمال يمكن القول عنها بثقة انها كانت مغايرة لنتاجات جيله اذ انه اشتغل بأدوات ميزته عن غيره من مجايليه وتلك الادوات منها مايتعلق بالمادية، حيث استخدم بنية مختلطة من مواد التلوين والتي يلعب فيها الخط دورا هاما في الاظهار والاشتغال الحركي في متن اللوحة، والفكرية التي تعتمد شكلا لبطله مستل من حكايات الاثر الحضاري من خلال منظومة شكلية استعارية عمادها الارث الفني العراقي القديم استبطن فيها الحاضر بشكل مغاير لما تعلمه في الدرس الاكاديمي وارث معلميه وزجه في تكوين تشتغل فيها العلامة بشكل معاصر، وكما قلت فان التسعينات التي اعتبرها ولّدت حراكا جديدا وملموسا في مسيرة التشكيل العراقي انتج فيها الفنان اعماله التي عرّضها لمختبر جديد تعمّد فيه الاشتغال على اللون باعتباره وسيطا ماديا مرنا في انتاج سطح لوحته يبعده عن الاشتغال الاستعاري الذي كان سائدا في اعماله وتلك كانت بالضرورة سعيا ليتيح له التجريب المستمر وصوله بعمله الى سمة شخصية اكثر تمثيلا لما يريده ، فيعتمد في مثل هذا الاشتغال حركة اللون الحرة ونثاره الذي لايخضع لقاعدة الانتظام المقنن بل الى حرية الانتشار وفوضاه ان تصح التسمية ويبدو فيها الفنان كأنه يعمد الى تشظية اشكاله السابقة بالباسها ثوبا جديدا مغايرا وبالضد من ظهورها السابق على السطح متمثلا ماحدث بشكل اكثر انحيازا للواقع ووضوحه. أن ملامح الحياة وواقعها في تسعينات القرن الماضي حتمت اشتغالا مغايرا يغلب عليه الابتعاد بأتجاه دائرة الحلم للتخلص من اثار القسوة المحيطة بالفنان . اقترب الفنان في اعماله تلك من التجريد المتخم بتعبيرية واضحة ليتمكن من الحفاظ على مايفكر به ويريد التوصل اليه من ابتعاد مدروس ومطلوب عن السائد في مايفترضه الدرس الاكاديمي واقترابا اكثر الى التورية والحرية في تقرير شكل العمل وانتشار مكوناته ولكن وفي الكثير من اعماله يظهر الفنان ميلا الى العمل بوعي تام في مايريده وهو يتمتع في نفس الوقت بحرية حركة ادواته وما تفرضه من عفوية في التشكل فيمكن للمتلقي ان يجد آثارا تدله على ذلك فيجد فيها حضورا لطيفٍ من اشتغالاته السابقة لان الرغبة تظل في الحنين الى حضور الجسد او ما يشير اليه، الشكلي والدلالي ، بقدر من التمويه متخفيا بالاجراءات الادائية التي يجربها في عمله فما تشي به عناوين اعماله يشير الى وجود وجوها واجسادا وعلامات اخرى متخفية في ظل بقع الالوان التي شكلت طبقات متعددة . أن الجهد الذي بذله الفنان كريم سيفو في اللمسات الجديدة التي أضفاها على نتاجه الجديد وضعه في موضع التذكر الدائم لممكنات قاموسه الاستعاري السابق الذي اصبح لديه قضية وموقف بشأنه، فكلما اراد اراحة بصره مبتعدا هذه المرة من اللون والفضاءات التي يشكلها فيه يقترب من الخط كقيمة فنية تمتلك طاقة تعبيرية مدهشة وقد يبدو للمتلقي وكأن الفنان يعود من خلال ذلك لاستكمال مشروعة الاول في استغلال طاقة الاستعارة التي يقدمها الموروث الثقافي وما ينتقيه منها من علامات ورموز تكتنز القيم التعبيرية التي يبحث عنها ويميل الى استخدامها ومرد ذلك الى ان الفنان اكسب نتاجه الشخصي السمات التي تميزه ونوع من الرضا لوصول التجريب لديه الى عتبات مرنه مكنته من الركون الى نتائجه بعد ان عرف المديات التي يمكن ان يصل اليها في نتاجه . لذلك عاد الفنان سيفو الى استغلاله لوجود الجسد بحضور طاغِ ومهيمن على المشهد البصري الذي ينتجه خصوصا ماظهر بشكل واضح في مجموعة من التخطيطات التي نشرها باللونين الابيض والاسود والتي أكدت توقه الجاد الى عدم تخليه عن ماكان يضعه في اعماله، من اجساد ووجوه وعلامات متعددة، وحتى ان توارت في اعماله اللاحقة خلف طبقات لونية متعددة، فحفلت استعاراته العلامية بجسد محتفى به وبترميزات تعمل على وجوده المهيمن، الجسد الخارج من محنته والداخل في قدره الاخر الذي نصب له، ارى ان كريم سيفو في ذلك لايريد التخلي عن وطن بسعة وطنه فلم يسعده الا ان يكون حاضرا في اعماله وكأن الفنان خلص الى ان يكون ذلك قضيته وهمه الجمالي. وبالعودة التى التساؤل الاول فقد اصبح واضحا ان التخطيطات التي عمل عليها يمكن وضعها في زمن بيني جرد فيها الخط والتكوين مما يثقل حضورهما المستقل وازاح اللون خارجها وفاردا لعلاماته المجال لتعلن عن مرجعيتها الشكلية والدلالية وفي نفس الوقت عمل في بعضها على ان يكون اللون حاضرا بشكل لايمكن ان يكون الا وجودا حياديا قالبا فيها المعادلة التي ميزت اعماله في التسعينات كمرجعية واضحة لاشتغالاتها فيها . *فنان تشكيلي عراقي / السويد |
| المشـاهدات 37 تاريخ الإضافـة 07/06/2026 رقم المحتوى 71234 |
أخبار مشـابهة![]() |
تقرير: العراق يستجيب لطلب أمريكي بعدم دمج فصائل التنسيقية في المؤسسات الأمنية
النعمان: خطة شاملة لسحب القطعات العسكرية من مراكز المدن قبل نهاية هذا العام |
![]() |
رئيس الجهاز التنفيذي لهيئة الإعلام: التنظيم لا يعني التقييد وقراراتنا تخضع للمراجعات |
![]() |
الاتحاد الآسيوي يحتفي بعودة العراق إلى أكبر المحافل الكروية
|
![]() |
وطني السلة بعسكر داخلياً استعداداً للتصفيات المؤهلة للمونديال
|
![]() |
من ضفاف الرافدين الى آفاق المغرب العربي
قراءة في كتاب "قراءة من بُعد: لقضايا مغاربية"
للدكتور محمود صالح الكروي |
توقيـت بغداد









