الأربعاء 2026/6/24 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار
الإعلام الإلكتروني.. من نقل الخبر إلى صناعة الوعي
الإعلام الإلكتروني.. من نقل الخبر إلى صناعة الوعي
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب محمد فاضل الخفاجي
النـص :

لقد كان الإعلام في بداياته أداة لنقل الخبر وحسب، ينتظر الناس صدوره في الصباح مع الجريدة أو في المساء عبر نشرة الأخبار. أما اليوم فقد تبدلت الأحوال، وصار الإعلام الإلكتروني حاضرا في كل لحظة وفي كل يد، يسبق المطبعة ويتجاوز الشاشة التقليدية. الهاتف المحمول غدا هو غرفة الأخبار الأولى، والمواطن العادي بات قادرا على توثيق الحدث وبثه إلى العالم قبل أن تصل كاميرات القنوات الكبرى.إن هذه السرعة التي كسرت احتكار الزمن والمكان لم تأت بلا ثمن. فالسباق نحو النشر أولا أزاح في كثير من الأحيان معيار الدقة والتحقق. وهكذا انتقل الإعلام الإلكتروني من وظيفة النقل المجرد إلى وظيفة التفسير والتوجيه. لم تعد المنصات تكتفي بعرض ما جرى، بل صارت ترتب أولوياته وتختار زواياه. القصة التي تثير العاطفة وتحصد التفاعل تتقدم على غيرها، حتى لو كانت أقل أهمية من الناحية التحريرية. من هنا بدأ الإعلام الإلكتروني يقترح على المتلقي كيف يرى الحدث ولماذا ينبغي أن يهتم به.ومع تكرار العرض وتعدد الزوايا، تشكلت الوظيفة الأخطر والأعمق، وهي صناعة الوعي الجمعي. فالوعي لا يُبنى من خبر عابر، بل من تراكم السرديات التي تحيط بالإنسان ليل نهار. التريند يفرض قضية واحدة على الملايين خلال ساعات، والبث المباشر يلغي الوسيط ويضع المتلقي في قلب الحدث، وصانع المحتوى المستقل يقدم رواية مبسطة قد تكون أبلغ أثرا من التقارير الرسمية. حتى النكتة المصورة والمحتوى الساخر صارا وسيلة لتبسيط المعقد وكسر حاجز الرهبة بين الناس والقضايا الكبرى.غير أن هذه القوة الواسعة حملت معها تحديات جسام. إذا كان كل فرد يملك منبرا، فمن يضمن صدق الرواية؟ وإذا كانت الخوارزميات تكافئ الإثارة والغضب لأنهما يرفعان نسب المشاهدة، فهل نصنع وعيا راشدا أم قلقا جماعيا؟ لقد منح الإعلام الإلكتروني صوتا لمن حُرم منه، لكنه فتح الباب أيضا أمام الشائعة المتقنة والغرف المغلقة التي لا يسمع فيها المرء إلا صدى رأيه.إن السبيل ليس في الرجوع إلى الوراء ولا في شيطنة الوسيلة، بل في بناء مناعة لدى المتلقي وترسيخ مسؤولية لدى الناشر. على القارئ أن يتريث قبل أن يشارك، وأن يسأل عن المصدر، وأن يفتح نافذة على رأي يخالفه حتى لا يسجن نفسه داخل فقاعة مغلقة. وعلى صانع المحتوى أن يدرك أن الثقة التي بناها مع جمهوره هي رأس ماله الحقيقي، وأنها تنهار عند أول تضليل.لقد بدأ الإعلام الإلكتروني ناقلا أمينا للخبر، ثم صار مفسرا لمعناه، وهو اليوم شريك أصيل في صناعة وعي الناس. ومستقبله بين أيدينا، إما أن يكون جسرا نحو التنوير والمعرفة، وإما أن ينزلق إلى الفوضى والتضليل. والفيصل في ذلك هو ضمير من يكتب وأمانة من يقرأ.

المشـاهدات 28   تاريخ الإضافـة 24/06/2026   رقم المحتوى 71609
أضف تقييـم