العبور
((الى الصديق القاص هيثم الجاسم ))![]() |
| العبور ((الى الصديق القاص هيثم الجاسم )) |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
داود سلمان الشويلي لم يتجاوز وقت الظهيرة إلا بساعة واحدة، فقد بسطت الشمس ضياءها على الكون، وشملت الفضاء بالأشعة الذهبية الحارة، والساطعة حدّ تأثيرها على العيون، وهي في كبد السماء باهتة الزرقة، وفوق الرأس بالضبط، ولا ظل يرى، فبدا هذا الفضاء كفرن يصطلي بنار حمراء من شدة اللهب اللامرئي المتصاعد من اسفلت الشارع، ومن الاسمنت الذي "لبخت" به الدور، والبنايات، ومن أسطح بعض الأشياء المعدنية التي تشع حرارة كالسيارات المارة في الشارع مثل سيارة الرجل الستيني الأستاذ "هـ" بلحيته البيضاء المشذبة، والقصيرة، وقد تداخل لون شعر رأسه الأبيض بلون شعر لحيته، بشعر فوديه. وينيته النحيفة المائلة الى الطول، ونظارته الطبية التي تعكس أشعة الشمس فبدا الوجه كفاكهة حمراء فوقها حبات الندى البارد من شدة ما تعكسه هذه النظارة من حرارة الإطار، وزجاجها، و"العلاكه" التي يحملها في يده، وقد ملئت فواكه. كانت يده الأخرى تحمل كارتون كاسات الماء الجاهزة للشرب. راح يتأكد من قفل بوابات سيارته الأربعة بوساطة "سويج" البصمة الخاص بالسيارة، وعندما تأكد من قفلها، همّ بعبور الجانب الثاني من الشارغ ليقف بعض الوقت في الجزرة الوسطية تحت حرارة أشعة الشمس في هذا الشهر التموزي الحار، ومن ثم، وبعد أن يتأكد من خلو الشارع من السيارات التي تمرق مسرعة، يعبر هو حيث باب داره بطلاقاته الثلاثة البيضاء اللون، والذي يفتح الى الجانب بإنتظار عبوره منه الى داخل الدار، ومن ثم المطبخ الذي مازال يرغب الوصول له لتفؤيغ ما يحمل من كارتون كاسات الماء، و"علاكة" الفواكه، وتعب بدنه في هذا الحر الذي لا يطاق، فذهبت الجدية التي كان يتصف بها من على ملامح وجهه تحت لهيب أشعة الشمس الصفراء، والجو الخانق. كانت الأجواء ثقيلة تضغط على القلب، ويشعر من شدة الحرارة، وجفافه، ان قلبه يموع، يذوب، يتفتت كان ينظر الى بناية داره، وهو يقف قرب سيارته السوداء اللون، نوع تويونا، وكأنه ينظر إليه لأوّل مرة، هاله ما رآه في داره التي تقع في الجانب الثاني من الشارع. كان قد تساقط بعض "اللبخ" قرب المزريب الذي ينزّل ماء المطر من سطح داره، وكذلك ما راه من سقوط ذلك "اللبخ" قرب شبابيك الطابق الثاني المطلة على الشارع، وبعض المناطق قد سقط عنها اللون الأبيض الذي دهنت به، راعه كل ما رآه هذه اللحظة من داره فهز رأسه عدة مرات، ومضى ليعبر الجانب الثاني من الشارع ليصل الجزرة الوسطية. كان المكان فرن ملتهب حرارة، ولا ظل لشجرة لا في جوانب الشارع، ولا في جزرته الوسطية. *** كان قد مدّ ساقه اليمنى نحو اسفلت الشارع الساخن مثل قاع فرن الصمون الذي يشتري منه دائما، كانت أشعة الشمس الساطعة حامية، ثم تلاها بالساق اليسرى حيث نزلت الى أسفلت الشارع. كان إطار نظارته الطبية يحرق عينيه، ولحم وحهه المعرق. ترك جسده كله ينزل الى نهر الشارع فاستقبله اسفلته، كان ميمما صوب داره الذي يسبح في ضوء الشمس الساطع، وكل تفكيره قد انصب بالتشققات، والتقشطات، التي حدثت في بعض الأماكن من "اللبخ"، وبعض أماكنه من الدهان الأبيض الذي أكلته رطوبة المطر. كان هذا كل ما يشغل تفكيره، فمرت الستوتة ورفعته عاليا، عندها تطايرت نظارته الطبية، و"علاكة" الفواكه، وكارتون كاسات الماء "ألآر أو". شاهدها جميعا تنفلت من بين يديه، فيما كانت زوجته تنتظره في المطبخ بعد أن أعدت الصينية، وأواني الأكل، و"دولكة" اللبن "الشنينة"، كل شيء طار في الهواء حتى هو طار في الهواء ثم هوى كطير مذبوح أصابته طلقة بندقية صياد ماهر فأهوت به الى الأرض، الى الرصيف الصلب، فارطدم رأسة بالحافة الاسمنتية الصلبة، وسالت الدماء. *** كان جاره قد عبر جانبا من الشارع، وهو يتجه نحو الجانب الثاني فمر به، وسلم عليه، وهو واقف يتلفت يمينا، وشمالا، على الجزرة الوسطية المعبدة بالمقرنصات الملونة، يهمّ بالنزول الى نهر الشارع ليعبره، فلم يمد يديه ليسبلم عليه، واكتفى برد التحية بالكلام، وهز الرأس، وفرش الابتسامة على الشفتين، فإجتازه هذا الجار، إذ نزل في نهر الجانب الثاني من الشارع، ونزل جسم، وما يحمل "هـ" الى نهر الشارع المقابل لداره، فسمع الجار، وهو في منتصف نهر الجانب الثاني من الشارع صيحة جاره، وأصطدام ستوتة بشيء ثقيل، فالتفت مسرعا، ورأى جاره يصعد الى الأعلى حتى ظن انه يطير في الفضاء فيصل الى ارتفاع معين، ويعود بقوة زخم كبيرة الى الأصفل، ويهوي سريعا، ويرتطم رأسه بحافة الجزرة الوسطية الصلبة، ذات المقرنصات الملونة، فيهرع الجار ليعود مرة ثانية لجاره الطائر، فرأى رأسه في بركة من الدم، ورأى كذلك صاحب الستوتة يحاول انهاضة إلا انه لم يستطع، فيما كانت "علاكة" الفاكهة السوداء قد تطابرت الى الاعلى، وتناثر ما فيها، فيما سقط كارتون كاسات الماء "الآر أو"، وتشققت الكاسات، وصنعت بركة من الماء قرب ساقي "هـ" الملتويتين، وقد رميت نظارته الطبية في وسط نهر الشارع الذي يقع عليه داره، وقد داستها عجلات سيارة قد توقفت لحمل "هـ" الى المستشفى بصحبة جاره، وصاحب الستوتة، بعد أن غطت غشاوة بيضاء على عينه ففقد الوعي، وغاب كل شيء من أمامه، ولم يعلم بأي شيء قد حصل له. . *** |
| المشـاهدات 59 تاريخ الإضافـة 29/06/2026 رقم المحتوى 71765 |
أخبار مشـابهة![]() |
الفنان هيثم عبد الرزاق يجسد شخصية (طبيب نفسي) في مسلسل الحوت.. قريباً
|
![]() |
جدلية الفناء والحقيقة: مقاربة ذرائعية في نص "عناق الطين" للشاعرة العراقية ضحى الجاسم |
![]() |
جدلية الفناء والحقيقة: مقاربة ذرائعية في نص "عناق الطين" للشاعرة العراقية ضحى الجاسم |
![]() |
وجه بسرعة إنجاز المعاملات ورفع مستوى الشفافية والكفاءة المؤسسية
وزير العدل يوجّه بإعداد خطة استراتيجية تخدم شريحة القاصرين |
![]() |
ملتقى ميسان الثقافي يحتفي بصدور((مشاحيف تأبى الرحيل)) لكاتبها القاص محمد كرم الموسوي |
توقيـت بغداد









