السبت 2026/7/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.28 مئويـة
نيوز بار
صباح الخياط..الرجل الذي اخترق عائلة صدام بأكملها الحلقة الثانية
صباح الخياط..الرجل الذي اخترق عائلة صدام بأكملها الحلقة الثانية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

في الحلقة الماضية، بدأنا الحديث عن قصة إعدام فاضل البراك، وكشفنا أن السبب الحقيقي لم يكن مجرد خيانة، بل كان نتيجة لصراع عائلي داخل أسرة صدام حسين، وتداعيات علاقة خطيرة جمعت البراك برجل يدعى صباح علي محمد الخياط. لكن من هو صباح الخياط؟ وكيف تمكن هذا الرجل من اختراق أعلى هرم أمني في العراق، والوصول إلى صدام حسين وعائلته، ثم الإفلات من العقاب؟

 

صباح الخياط، كما تكشف وثائق التحقيق التي عرضها الباحث فاضل أبو رغيف، هو رجل متعدد الهويات والولاءات. ولد لعائلة عراقية، لكن والدته يهودية، مما جعله مزدوج الانتماء. تخرج من الكلية الجوية العراقية في الستينيات، وعمل ضابطاً في القوة الجوية، لكن مساره المهني تغير تماماً عندما سافر إلى الاتحاد السوفيتي. في موسكو، التقى صباح بفالنتينيا إيفانوف، وهي مجندة في المخابرات السوفيتية، وتزوجها. كانت هذه الزيجة نقطة تحول في حياته؛ فقد أصبح مرتبطاً بالاستخبارات السوفيتية منذ تلك اللحظة. بعد عودته إلى العراق، تمت إحالته إلى التقاعد عام 1969 - بشكل مفاجئ - ثم سافر مرة أخرى إلى ألمانيا حيث استقر في ميونيخ. وهناك، انخرط في شبكات تجسس أوسع، وبدأ بالعمل مع الموساد والمخابرات الألمانية الغربية.

 

ما فعله صباح الخياط في ألمانيا كان نموذجاً للتجسس الاحترافي. بدأ بالتردد على السفارة العراقية في بون، وتقرب من السفير والملحقين العسكريين والتجاريين. كانت طريقته ذكية: بدأ بالهدايا البسيطة، ثم تطورت إلى هدايا ثمينة، حتى نجح في زرع حزام إلكتروني في السفارة ونصب كاميرات مراقبة ومعدات تنصت. كون علاقة قوية مع الملحقية العسكرية، وعرض عليهم تزويدهم بكل ما يحتاجون إليه، وهم - دون أن يعرفوا حقيقته - استقبلوه بحفاوة، باعتباره عراقياً وضابطاً سابقاً. في عام 1981، حصل صباح الخياط على الجنسية الألمانية. وهنا بدأ فصله الأخطر: العودة إلى العراق.

 

عندما عاد صباح الخياط إلى العراق في نوفمبر 1981، كان يعرف بالضبط ما يريد. بدأ بالتقرب من أسعد الياسين، الذي كان شقيق أرشد الياسين، صهر صدام حسين. أرشد الياسين كان مولعاً بالتحف والهدايا الثمينة، فكانت هذه نقطة الدخول المثالية. قدم صباح لأرشد مجموعة من التحف والأحجار الكريمة القديمة، فأعجب بها ووعده بتسهيل كل أموره في العراق. وهكذا بدأ الصعود: من أرشد إلى عدي وقصي، ثم إلى ساجدة خير الله، زوجة صدام. ما فعله صباح كان استراتيجياً. افتتح جناحاً كبيراً في معرض بغداد الدولي، واستورد تحفاً خشبية ثمينة من خشب الساسم والزان الأحمر والبورمي. أعجب عدي بها، فأهداه أضخم القطع دون أن يأخذ ثمناً. كذلك أهدى ساجدة خير الله مجوهرات من الألماس، حتى وصل إلى قلب العائلة كلها.

 

بعد أن اخترق صباح الخياط عائلة صدام، كان الطريق إلى فاضل البراك ممهداً. لكنه لم يصل إليه مباشرة؛ فقد استخدم وسيطاً: العقيد المتقاعد طارق غالب، الذي كان صديقاً للبراك منذ أيامه في مديرية الأمن العام. عزز صباح علاقته بفاضل البراك عبر تقديم الهدايا والمشروبات الفاخرة والسجائر والعطور. ثم عرض عليه مشاريع تجارية ضخمة: أفران للخبز والمعجنات، أسواق تجارية، مطاعم، محلات أزياء، وحتى مول في منطقة الكرادة. لم يكتفِ بذلك، بل جعله شريكاً في الأرباح بنسبة 50% دون أن يدفع البراك أي مبلغ. في دفعة أولى، أعطاه 32 ألف دينار من أرباح الأفران وحدها. المبلغ فاجأ البراك، لكنه قبله، وهو ما جعله أكثر ارتياحاً للتعامل مع صباح.

 

ما فعله صباح الخياط مع فاضل البراك كان أخطر ما في القصة: تمكن من تسهيل دخول أجهزة تجسس إلى أعمق مرافق الدولة العراقية. طلب صباح من البراك أن يزوده بمخططات جهاز المخابرات والأمن العام ووزارة الدفاع، بحجة تجهيز أجهزة مراقبة تتناسب مع طبيعة المباني. وافق البراك، وسلمه مخططات مفصلة لكل شيء: المكاتب، الغرف، الممرات، المداخل والمخارج. ثم بدأ تجهيز الجهاز بأجهزة تنصت ألمانية الصنع. كل مكتب، كل كرسي، كل طاولة، حتى المطابخ ودورات المياه كانت مزروعة بأجهزة تجسس. أسس صباح ما عُرف بـ"مديرية المعمل" في الأمن العام، التي كانت مسؤولة عن نصب أجهزة التنصت، وتجهيز مفاتيح تفتح أي خزنة أو غرفة، وتركيب كاميرات في الفنادق عبر مرايا خاصة. لكن الطامة الكبرى كانت عندما سمح له البراك بدخول المفاعل النووي العراقي. هناك، حصل صباح على خرائط كاملة عن المفاعل، وقام بتصوير كل شيء، وأرسل المعلومات إلى الموساد.

 

السؤال الذي يطرح نفسه: كيف سمح فاضل البراك، رئيس جهاز المخابرات، لكل هذا أن يحدث؟ الإجابة تكمن في أمرين: أولاً، كان البراك يظن أن صباح الخياط مجرد تاجر ثري يساعده في تنفيذ مشاريعه، وليس جاسوساً. ثانياً، كان البراك منغمساً في مكاسبه الشخصية. كان طماعاً، يحب المال والنساء، وقد تم تصويره في أفلام مع نساء من قبل المخابرات الألمانية، مما جعله تحت التهديد. محمد خضير صباح الحلبوسي كان الوحيد الذي شك بصباح الخياط منذ البداية. رفع تقريراً إلى فاضل البراك يحذره، لكن البراك وبخه وقال له: "هذا عراقي وهذا ضابط، ما هذه الخرابيط؟". لكن بعد سنوات، ثبت أن صباح الخياط كان جاسوساً يعمل لحساب ثلاث جهات في آن واحد: الاتحاد السوفيتي، وألمانيا، والموساد الإسرائيلي. كان هدفه الأساسي هو الموساد، وكانت المعلومات التي سربها عن المفاعل النووي العراقي من أخطر ما سرب.

المشـاهدات 61   تاريخ الإضافـة 11/07/2026   رقم المحتوى 72107
أضف تقييـم