الأحد 2026/7/12 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 39.58 مئويـة
نيوز بار
الحلقة الثالثة إعدام البراك
الحلقة الثالثة إعدام البراك
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

 

كيف تمت تصفية "الجاسوس" بعد أن خدم صدام سنوات؟

 

في الحلقتين السابقتين، تتبعنا قصة صعود فاضل البراك في جهاز المخابرات العراقي، وكشفنا علاقته الخطيرة بصباح الخياط، الرجل الذي اخترق عائلة صدام بأكملها ووصل إلى قلب الجهاز الأمني. واليوم، نصل إلى الفصل الأخير من هذه القصة: اعتقال فاضل البراك، تعذيبه، وإعدامه على يد النظام الذي خدمه لأكثر من عقدين.

 

بعد أن كُشف أمر صباح الخياط، وتحول التحقيق معه إلى اعترافات مفصلة، كان لابد من تحريك الملف ضد فاضل البراك. لكن الأمر لم يكن سهلاً؛ فالبراك كان مستشاراً لرئيس الجمهورية وعضواً في الدائرة السياسية، وكان له نفوذ كبير. التقرير الذي رفعه المحققون حول صباح الخياط وصل إلى سبعاوي إبراهيم الحسن، الذي كان يترقب الفرصة للتخلص من البراك منذ سنوات. سبعاوي وبرزان التكريتي كانا يكنان عداءً للبراك منذ أن أبعدهما عن المناصب الحساسة. أمر صدام باعتقال البراك عام 1989، ونُقل إلى زنازين الحاكمية الزنازين التي كان هو من أشرف على بنائها وتعذيب خصومه فيها.

 

عندما دخل فاضل البراك إلى زنزانته في الحاكمية، كان في استقباله ستة من أبرز محققي النظام، كانوا جميعاً يعملون تحت إمرته سابقاً. وكان على رأسهم محمد خضير صباح الحلبوسي، الذي كان يشك بالبراك منذ سنوات. يقول أبو رغيف نقلاً عن الوثائق: أول ما رأى محمد خضير البراك، ضربه على رأده (الرقبة) بيده الثقيلة، فأغمي عليه على الفور. ثم قال له: "من الآن وصاعداً، إذا سألتك تقول أنا الخائن فاضل البراك. ما عدا ذلك، أنا أفعل الزنوبة ما تترك لك أثراً". تعرض البراك لتعذيب وحشي من قبل محققيه السابقين، الذين كانوا يتفننون في انتزاع الاعترافات منه. لم يعترف البراك في البداية، وكان يصرخ: "ما معقولة، لازم أكون خطأ، أنا فاضل البراك، أنتم متوهمون". لكن مع استمرار التعذيب، وبعد أن عُرضت عليه الأدلة التي تثبت تورطه في تسهيل مهام صباح الخياط، بدأ بالانهيار واعترف بكل شيء.

 

وفقاً لوثائق التحقيق التي عرضها أبو رغيف، وُجهت لفاضل البراك عدة تهم: أولاً، تسهيل التجسس: زود صباح الخياط بمخططات جهاز المخابرات والأمن العام والمفاعل النووي، مما سمح بزرع أجهزة تجسس في كل هذه المرافق. ثانياً، التخابر مع جهات أجنبية: ثبت أن البراك كان على اتصال بالمخابرات السوفيتية والألمانية، وأنه تعاون مع صباح الخياط في نقل معلومات استخباراتية للموساد. ثالثاً، انتقاد النظام: سجلت التحقيقات تصريحات للبراك ينتقد فيها دخول الكويت وسياسات صدام، والتي كانت كافية وحدها لإعدامه في ذلك النظام. رابعاً، الفساد المالي: استحواذ البراك على أموال وأراضٍ ومزارع تعود لشركات فرنسية وإيطالية، وشراكته مع صباح الخياط في مشاريع تجارية.

 

هنا يأتي الدور الحاسم لصدام حسين. وفقاً للرسائل والهوامش التي تبادلها مع سبعاوي، فقد كان صدام يتابع القضية عن كثب. كان كل 4 أيام ترفع تقارير عن التحقيق إلى صدام، وكان يهمش عليها بتوجيهات. في رسالة رفعها فاضل البراك إلى صدام في 12 مايو 1990، كتب البراك يشتكي من المراقبة والتحقيق الذي يجرى معه. قال: "سيدي، الناس كلها قامت تخاف مني، حتى الفلاح الذي بمزرعته قام يخاف أيضاً، بطل تحت حجج وأنهزم مني". وكتب: "هذا الاعتقال لا يليق إلا بحزب الدعوة". صدام رد على هذه الرسالة بهمش كتبه بيده يقول: "لماذا لا تلقون القبض عليه إلا عندما يزور الدكتور فاضل البراك؟ ليش انتم هذا؟ إذا عندكم مشكلة وياه، ليش تخلونه يعرف أنه احنا اعتقلناه؟ المفروض هذا تخطفوه من بيته من الشارع حتى فاضل ما ينتبه". لكن صدام لم يكتفِ بذلك. في مكان آخر، هامش صدام على ملف التحقيق يقول: "لابد من الاهتمام به كعميل من المهمين، وقد يكون جند بعض المهمين في القطر". وكان يوجه المحققين بعدم التفريط بالتعذيب "لكن لا تفرطون بالتعذيب"، بين قوسين.

 

بعد أن استكمل التحقيق، ونُقلت الاعترافات إلى صدام، صدر الأمر بإعدام فاضل البراك. نفذ الحكم في عام 1992 في منطقة سلمان باك، في موقع تابع للمخابرات. لكن هناك رواية أخرى تقول إن البراك قُتل على يد حسين كامل حسن في مشاجرة ساخنة بينهما، وأن صدام لما علم بذلك استشاط غضباً على حسين كامل وقال إنه خسر فارساً من الفرسان الشجعان. المفارقة أن صدام أنكر رسمياً إعدام البراك، وقال إنه استشهد في مهمة سرية، واعتبره شهيداً من الطراز الأول، مما جعل هذه الرواية هي الراجحة عند بعض الباحثين.

 

قصة فاضل البراك تعكس طبيعة النظام الصدامي الذي كان يعتمد على شخصيات قوية ولكنها كانت هشة أمام تقلبات السلطة. البراك الذي قاد حملات إبادة ضد المعارضين، والذي وصفه صدام بأنه "الدم مو واصل الى ركبته، الدم واصل الى رقبته"، انتهى به المطاف ميتاً بتهمة الخيانة. لكن السؤال الأعمق: هل كان البراك جاسوساً حقاً؟ أم أنه كان ضحية صراعات داخل النظام الذي خدمه سنوات؟ وفقاً للعميد خليل إبراهيم، معاون مدير المخابرات الذي اطلع على إضبارة قضية البراك، فإنه لم يجد دليلاً قاطعاً على أنه تورط بعملية تجسس، وأن سبب إعدامه كان خلافات شخصية. سالم الجميلي أيضاً قال إن البراك لم تثبت عليه تهمة الخيانة، لكن أثناء التحقيق انتقد احتلال الكويت، وكانت تلك كافية لإعدامه.

المشـاهدات 58   تاريخ الإضافـة 12/07/2026   رقم المحتوى 72152
أضف تقييـم