| النـص :
بعد أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، لم يعد الشارع العراقي يكتفي بمشاهدة القبض على صغار الفاسدين، ولا يقتنع بأن معركة مكافحة الفساد تنتهي عند الموظف الصغير أو المسؤول المحدود، فالجميع يدرك أن الأسماك الصغيرة لم تكن سوى جزء من منظومة أكبر، وأن الحيتان والديناصورات السياسية والاقتصادية التي راكمت ثروات هائلة هي الهدف الذي ينتظره العراقيون،لقد صبر الشعب كثيراً، وتحمل سنوات طويلة من تردي الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وتراجع التعليم والصحة، وارتفاع البطالة، بينما كانت مليارات الدولارات تتدفق إلى الموازنات العامة ، واليوم يطرح العراقي سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل في معناه: أين ذهبت كل تلك الأموال؟، أين مشاريع الكهرباء التي التهمت المليارات وما زال المواطن يعيش ساعات طويلة من انقطاع التيار، خصوصاً في أشهر الصيف اللاهبة؟ أين المشاريع الصناعية والزراعية التي كان يفترض أن توفر فرص العمل وتقلل الاستيراد؟ أين البنى التحتية التي وُعد بها المواطن منذ سنوات؟ ويتكرر السؤال نفسه في ملف المتقاعدين، تلك الشريحة التي أفنت أعمارها في خدمة الدولة، لكنها ما زالت تنتظر تحسيناً حقيقياً في رواتبها يتناسب مع غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار. فهل يعقل أن تبقى هذه الفئة تعاني بينما الحديث يدور عن ثروات منهوبة تقدر بتريليونات الدنانير؟ أما ملف توزيع الأراضي والسكن، فقد تحول عند كثير من المواطنين إلى سلسلة طويلة من الوعود المؤجلة، سنوات تمر، والطلبات تتراكم، بينما يجد البعض طرقاً مختصرة للاستحواذ على الأراضي والعقارات بوسائل غير مشروعة، في حين يبقى المواطن البسيط ينتظر دوره، إن معركة مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد أو حجم الموقوفين فقط، بل بقدرة الدولة على الوصول إلى الرؤوس المدبرة، واسترداد الأموال العامة، وإعادتها إلى مشاريع تخدم الناس، فاسترجاع الأموال المنهوبة لا يمثل انتصاراً قانونياً فحسب، بل يفتح الباب أمام بناء مدارس ومستشفيات وطرق ومحطات كهرباء، وتحسين رواتب المتقاعدين، وتوفير فرص العمل للشباب، لقد أصبح العراقيون أكثر وعياً من أي وقت مضى، ولم تعد البيانات الإعلامية وحدها كافية لإقناعهم، ما ينتظرونه هو نتائج ملموسة، وملفات كبرى تُفتح بشفافية، ومحاسبة عادلة لكل من يثبت تورطه، بصرف النظر عن موقعه أو نفوذه أو انتمائ، الشعب يريد أن يرى القانون وهو يطبق على الجميع دون استثناء، لأن العدالة لا تكتمل إذا اقتصرت على الضعفاء، بينما يبقى أصحاب النفوذ بمنأى عن المساءلة، فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد يقاس بقدرتها على ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، مع احترام الإجراءات القضائية وقرينة البراءة حتى تصدر الأحكام،لقد ملّ العراقيون من سماع كلمة "وعود"، ويريدون أن يسمعوا كلمة "إنجاز"، وملّوا من الملفات المؤجلة، ويريدون أن يروا استعادة الأموال العامة وتحويلها إلى خدمات حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية،ويبقى السؤال الذي يتردد في كل بيت عراقي:أين أموال العراق؟ وأين الكهرباء؟ وأين حقوق المتقاعدين؟ وأين السكن؟ وأين المشاريع؟ وأين الوعود التي طال انتظارها؟إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بالخطب والشعارات، بل بسيادة القانون، والشفافية، والمحاسبة العادلة، واسترداد المال العام بما يعزز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
|