الإثنين 2026/7/20 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.6 مئويـة
نيوز بار
الجولات المسرحية وافتقاد العراق لوجودها
الجولات المسرحية وافتقاد العراق لوجودها
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

حيدر ناشي

لعل أبرز التقاليد المسرحية الغائبة عن المشهد المسرحي العراقي هي الجولات المسرحية، التي من ضرورتها فقد المسرح في داخل العراق بريقه المعروف عنه خارجيًا، فالمسرح الجاد في داخل العراق ما زال محصورًا لدى النخبة القارئة أو المتابعة، ولم يستطع أن يتنطع إلى الوصول لغالبية الجمهور الذي لديه تطلّع بسيط في متابعة الفنون، وقد لا نطمح كثيرًا كان أملنا بجمهورٍ أكبر يقف خارج البناء المسرحي يبحث عن مقاعد للمشاهدة، وكذلك يجب أن نُشير إلى غياب المسرح أو اضمحلاله في المحافظات العراقية، وعلى ما أعتقد إن هنالك محافظات تغيب عن عرضٍ مسرحيٍ واحد لسنوات، وهناك أخرى قد تعرض في العام الواحد عمل أو عملين مسرحيين، أما بغداد العاصمة ذات البنية التحتية المسرحية الرديئة قياسًا ببقية البلدان العربية على أقل تقدير، فهي لم تتجاوز المحافظات الأخرى إلا بالمهرجانات التي تُقام وفق مزاج المسؤول الحكومي، إن كثُرت أو قلّت، لذلك يَعمد المسرحيون إلى البحث عن نص مسرحي ملائم ومخرج وممثلات وممثلين يتناسبون مع النص مع كادر تقني، ويبدأ التدريب الذي يأخذ أشهرًا من الوقت، وفي نهاية الجهد كله يُعرض هذا العمل المسرحي في أقصى وأنجح حالاته لمدة أربعة أيام، وعلى خشبة واحدة، ثم ينتظر أن يُدعى في مهرجان عربي طمعًا في جائزةٍ ما !!!

هنا بطبيعة الحال وزارة الثقافة غائبة عن المشهد المسرحي لأن الأمر لا يعنيها كونها إحدى مثلثات المحاصصة الطائفية والسياسية في كعكة السلطة، فالوزير قد تجده ارهابيًا مطلوبًا للقضاء ومتهم بأوسخ الافعال البشرية، أو وزيرًا للدفاع وتكون وزارة الثقافة حقيبةً ملقاةً على عاتقهِ، وفي ذاتِ الوقت منفذًا آخرًا ومفرحًا للفساد، أو عائمًا في قرارات مسؤول الكتلة السياسية التي ينتمي إليها، لذلك مفهوم الجولات المسرحية لن يجيء في مفكرة الوزير أو موظفي الوزارة من أعلى درجاتهم الوظيفية إلى أدناهم، فهم في أغلبهم عاملين في وزارة الثقافة، لكنهم أبعد ما يكون عن الثقافة.

نقابة الفنانين العراقيين

في هذه التفصيلة سوف أُقسّم طرحي إلى مفصلين، حول دور النقابة سلبًا وايجابًا محاولين تلخيصها بالآتي:

أولًا: مركز النقابة في بغداد

شهدت نقابة الفنانين ضعفًا ملموسًا شعبيًا وحتى لدى الفنانين أنفسهم في فترة النقيب السابق الفنان المسرحي صباح المندلاوي، وأحد أهم أسباب هذا الضعف هو عدم تعاون الدولة العراقية مع الفن بشكلٍ عام، ومع النقابة بالأخص كون نقيبها ينتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي، وهو ضد توجهات الدولة الاسلاموية المتشعبة الانتماء، وهم ضد توجهه الوطني، يضاف إلى ذلك فترة التقشف الاقتصادي الذي مر به البلد في فترة الحرب على (داعش) مما أثر على ميزانية النقابة بشكلٍ عام، على الرغم من البنية الادارية الجيدة التي كرّسها النقيب طوال فترة ادارتهِ لمجلس نقابة الفنانين العراقيين.

أما في فترة النقيب الحالي (جبار جودي) حيث حاول أن يضمن للفنان حقوقهِ البسيطة على أقل تقدير بعد مجموع الوعود التي تلقاها من بعض السياسيين، فكان وما زال براغماتيًا على خلافِ سلفهِ، يطمح بفوائد شخصية للفنانين وليس للفن، حتى وإن ساهم في اتساع دائرة المهرجانات المسرحية، أو الأعمال التلفزيونية، أو المهرجانات التكريمية، لكن ما زالت النقابة المركزية عاجزة عن (الخش بعين المقابل)، فالنقابة المركزية في حدها الاقصى تُطالب بالمنحة الرخيصة أو تذاكر سفر واقامة مجانية لاحدى العروض المسرحية في أحد المهرجانات العربية.

ثانيًا: فروع نقابة الفنانين في المحافظات

في هذه الفروع النقابية نجد عشرات أو مئات من الفنانين العاطلين عن العمل من الكبار تحديدًا وكذلك الشباب بسبب التغييب المتعمد، وإن وجود الكبار سنًا فقط للتنظير واستذكار الماضي، الذي هو عبارة عن مشاريع تخرجهم من معاهد أو كليات الفنون الجميلة، ويصفوا للآخرين إن مشاريع تخرجهم عبارة عن أعمال عالمية، وهم طبعًا كانوا في فترة الصبا، لكن يبدو إن الكذبة حين تكرارها يتم تصديقها، ويوهموا الشباب إن (يوسف العاني، أو ابراهيم جلال، أو جاسم العبودي، أو سامي عبد الحميد، أو صلاح القصب، أو عقيل مهدي... الخ) قد أشادوا بهم وتنبأوا بمستقبلهم، يا أعزائي منكم الأحياء والاموات، الاساتذة قد أشادوا بتلامذتهم وتصوًروا لهم مستقبلًا جيدًا إذا كانت هنالك استمرارية في العطاء الفني، لأن الأساتذة في عروضكم لم يكونوا ضيوفًا وإنما مدرسيكم!!! لكن أن تعودوا الى مدنكم وتكونوا معلمين لدرس الفنية الخالي من محتواه في زمننا الراهن أو الذي سبقه، وتحسبوا أنفسكم فنانين وتنتمون لنقابة الفنانين ساعين إلى أراضي ومُنح مالية تحت مسمى (الفن) الغائب عن المتلقي، ولسبب إنك تملك شهادة من إحدى المؤسسات التعليمية التي من المفترض تنتج فنًا، هذا هو الخلل الجلل، فقد وجدنا موظفين في دوائر الدولة المختلفة يبحثون عن زيادة في مرتباتهم من خلال أي شهادة دراسية يحصلوا عليها، وحينما بحثوا وجدوا الفنون أسهلها!!! هذه الصورة التي يجب أن تتكون عند القارئ لهذا المقال حول حيثيات ضعف فروع النقابة من إنتاج أعمال مسرحية في المحافظات إلا ما ندر طبعًا، يضاف إلى ذلك وهو سبب رئيس أيضًا في عدم تعاون أو دعم الحكومات المحلية لأي نشاط فني، كون الفن حرام في منظورهم العقائدي، أما الاموال التي يسلبوها من ميزانيات الدولة ويطعمون بها اطفالهم أو يصرفونها على ملذاتهم وتوسيع امبراطورياتهم المالية هي الحلال الزلال.

مقاربة بين العراق وبعض الدول العربية

أشرنا أعلاه إلى بعض الاسباب التي حالت دون اعتماد الجولات المسرحية في العراق، وهنا لابد أن نُشير إلى بعض الدول العربية التي اعتمدت الجولات المسرحية من ضمن تقاليدها، وعلى سبيل المثال تونس والمغرب، حيث يتم إنتاج أعمال مسرحية عن طريق الهيئات العليا للمسرح في تلك البلدان، وحينما يتم عرض العمل المسرحي في العاصمة على سبيل المثال أو أي محافظة أخرى وينال اعجاب الجمهور تتعاقد وزارة الثقافة مع كادر المسرحية وتشتري حقوق العرض ناقلينه إلى عدد من الأمكنة أو المحافظات الأخرى ليتم عرض المسرحية على جمهورها لينالوا نصيبهم من متعة المشاهدة، فضلًا عن الارتقاء بوعيهم الثقافي والفكري، وهذا الامر ليس مقتصرًا على عرضٍ واحد، وإنما العشرات من الأعمال المسرحية التي تُنتج سنويًا، مطورين هذه التجربة في فتح آفاق أخرى وأماكن أخرى جديدة فلا تبخل عليهم الدولة في أن يزورهم المسرح. ولابد أيضًا من ذكر إن المهرجانات المسرحية الدولية لا تقتصر على عواصم تلك البلدان فقط، بل تقام عدد من المهرجانات في محافظات تونس والمغرب وأحيانًا الجزائر، وتُعرض المسرحيات من مختلف دول العالم في هذه المحافظات وذلك للاطلاع على تجارب الآخرين متابعين سيرورة تطور المسرح العالمي في أخر صيحاتهِ الحديثة.

إن الانتاج المسرحي غير مقتصر على العاصمة والمحافظات الأخرى تكون متلقية فقط، اطلاقًا فالذي يُنتج في سوسة أو صفاقس أو بنزرت يعمم على المحافظات التونسية الأخرى، والحال ذاته بالنسبة للمغرب.

المقاربة في هذا الفرع من المقال ظلم للآخرين، فأين نحن في العراق منهم؟ وكيف لنا أن نقول لدينا مسرح مؤثر في البنية الاجتماعية العراقية طالما نحن بعيدون عن المتلقي الذي نعزفْ عن اللحاق بركبهِ الفكري والاجتماعي؟

البنية التحتية المسرحية

في حديثنا عن الجولات المسرحية وأسباب نجاحها في البلدان التي ذكرناها آنفًا، هناك بالدرجة الأولى البنية التحتية المسرحية في محافظات ومدن هذه البلدان المهيئة لاستقطاب العروض المسرحية، إذ لابد من وجود مسارح وبمواصفات علمية وليس قاعات للعرض السينمائي أو الموسيقي مثلما موجود عندنا في العراق، إن بناية المسرح لها مواصفات دقيقة من حيث المساحة وعمق الخشبة فضلًا عن الارتفاع الذي يجب أن يُشيّد وفق هذه المواصفات وكذلك عدد المقاعد التي تستقطب الجمهور، ليكون كل الحاضرين سواءً في أقصى اليسار أو أقصى اليمين يستطيعون مشاهدة كل تفاصيل العرض المسرحي، حتى لا يكون هنالك حجب للرؤية.

إن هذه المواصفات في ابنية المسارح في العراق غير متوفرة إلا ما ندر، وهذه الندرة موجودة في بغداد وعدد قليل من المحافظات.

إن غياب هذه الابنية أحيانًا يكون عذرًا ومقبولًا من الذين يتحججون بعدم قيامهم بانتاج الأعمال المسرحية، وهذا الأمر يقع على عاتق الدولة التي لم تبنِ مسرحًا طيلة سنوات ما بعد تغيير النظام إلا مسرح ذي قار في مدينة أور السياحية الجديدة، وهذه المدينة السياحية الجديدة جاءت تتويجًا لضغوطات المجتمع الناصري بعد انتفاضة تشرين عام 2019 الخالدة، فتم تشييد مسرح مغلق وآخر مفتوح لاستقبال الفن في المحافظة، أما محافظات أخرى بنايات النشاط المدرسي أو صالات الاحتفالات هي منفذهم الوحيد، وفي كثير منها غير صالح للعرض المسرحي بمفهومهِ العلمي.

إشارة

قد يُعيب القارئ إنني لم أشر إلى عدم دعم الدولة المالي إلى الانشطة الفنية وتخصيص مجال خاص في أفرع المقال للنقد والشتم، إذ إنني ذكرت في أكثر من موضع لهذا المقال عن عدم تفاعل الدولة مع الفن كونها لا تتوافق معه، إلا إذا تم تجييره لمصالح القائمين على ادارة الدولة العقائدية، والتفاعل الاجتماعي، والانتفاع الاقتصادي، أما غير ذلك لا يمكن توّفره لأن رسالتهم الحياتية بعيدة كل البعد عن الفن وتأثيره في المجتمع والرقي الذي يتمتع به.

وفي هذا السياق لابد أن أذكر موقف حدث في محافظة ذي قار، حيث قدم الاستاذ (محسن خزعل) العضو المناوب في مجلس محافظة ذي قار حينما كان ممثلًا عن الحزب الشيوعي العراقي مشروعًا متكاملًا عن محو الأمية في المحافظة، وبعدما قدم مشروعه قال له أحد أعضاء المجلس المؤثرين والتابع لأحد أعرق الاحزاب الاسلاموية في العراق بما معناه " أستاذ محسن أنتَ تسعى إلى فنائنا" فأجابه الاستاذ خزعل ماذا تقصد؟ فقال له "إذا محيت الأمية من سينتخبنا بعد ذلك؟" وأكمل "إن الأميين جمهورنا المميز الذي يُجددون لنا حكمهم وفق أساليبنا وقواعدنا التي نُمليها عليهم، أما إذا محيت الأمية لن يكون هنالك من يجدد الثقة بوجودنا" !!!!!!!!، هذا الموقف الموّضح لطبيعة وسلوكيات الثلة الحاكمة في العراق، هو ما أختم به حديثي الذي طال نوعًا ما.

 

المشـاهدات 57   تاريخ الإضافـة 19/07/2026   رقم المحتوى 72402
أضف تقييـم