ابيض / اسود
الخريجون.. تظاهرات تتجدد؟![]() |
| ابيض / اسود الخريجون.. تظاهرات تتجدد؟ |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب مازن صاحب |
| النـص :
قد يظن البعض أن توقيع 48 مذكرة تفاهم واتفاق مع كبرى الشركات الأمريكية يمثل بشرى مباشرة لتشغيل آلاف الخريجين العراقيين. غير أن الحقيقة تسير في اتجاه مختلف تماما.!! فكلما اقتربت هذه الشركات من تنفيذ مشاريعها، اقترب معها اختبار مؤجل لمنظومة التعليم العراقية؛ لان سوق العمل الدولي لا يعترف بعدد الشهادات، بل كفاءة المهارات ومعايير الجودة والإنتاج. عندها لن تكون تظاهرات الخريجين أمام بوابات الشركات سوى النتيجة الطبيعية لفجوة معرفية تراكمت طوال أكثر من عقدين بين الجامعات العراقية ومتطلبات العمالة في شركات الاستثمار الحديثة. ليست المشكلة في الشركات الأمريكية، ولا في المستثمر الأجنبي، ولا حتى في الخريج العراقي. المشكلة أن الحكومات المتعاقبة باعت المجتمع وهما كبيرا عنوانه أن الشهادة الجامعية تكفي وحدها للحصول على فرصة عمل حكومية ، فيما كان العالم ينتقل بهدوء إلى اقتصاد المهارات، من ثقافة التوظيف البيروفراطية إلى ثقافة الكفاءة، ومن الدولة الريعية إلى الدولة المنتجة.!!! لهذا، لم تعد أغلب الجامعات العراقية، الحكومية منها والأهلية، تنتج ما يحتاجه سوق العمل بتلك المعايير الدولية... وعندما عجزت الدولة عن استيعاب هذا السيل العرم من الخريجين، انكشفت الحقيقة المرة. فالأزمة ليست أزمة بطالة، بل أزمة تعليم فقد صلته بالتنمية المستدامة ، وسياسات حكومية لم تستعد يوما للتحول نحو اقتصاد المعرفة الانتاجي. من المعلوم أن أنظمة إدارة المشاريع(PMP) تتجدد باستمرار وفقا لمتطلبات الأسواق العالمية، كما تتجدد معها معايير الجودة الشاملة، ومدونات السلوك الوظيفي، والامتثال المؤسسي، وإدارة المخاطر، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي جميعها أصبحت جزءا من هوية الشركات العالمية. لكن هذه الثقافة ما زالت غائبة عن أغلب مناهج التعليم الجامعي، في فلسفة الإدارة التي ما زالت تقيس النجاح بعدد الموظفين ، لا بمستوى جاهزيتهم للإنتاج المعرفي!! . المفارقة أن الجهاز الحكومي يعرف هذه المعايير، ويدرب موظفيه على جانب منها من خلال برامج الجودة الشاملة ومؤشرات الأداء، لكنه يهدمها في الوقت نفسه عندما تقدم مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي المتجدد.. الولاء الحزبي على الكفاءة، والانتماء على الاستحقاق، والمحسوبية على المنافسة...لذلك لم يعد مستغربا أن تعجز أغلب مخرجات الجامعات العراقية عن تلبية اشتراطات الشركات الدولية، سواء في إتقان اللغة الإنكليزية، أو إدارة المشاريع، أو توظيف الذكاء الاصطناعي، أو العمل ضمن بيئة إنتاج تنافسية تحكمها معايير دقيقة للأداء. السؤال الحقيقي لم يعد: أين سيعمل الخريجون؟ بل: هل أعدت الدولة خريجيها للعمل في الاقتصاد الاستثماري الجديد؟ بدلا من انتظار تظاهرات الخريجين أمام مقرات الشركات الأمريكية أو الإقليمية التي ستنفذ مشاريع طريق التنمية، فإن المطلوب الانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى صناعة الحلول، عبر مصفوفة عمل واقعية... يمكن تحديد بعضها في : أولا: إطلاق مشروع وطني للتعليم الجامعي المستمر، يدمج بين كفاية اللغة الأجنبية، وإدارة المشاريع، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومعايير الجودة الشاملة المعتمدة دوليا، بالتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو أي مؤسسة دولية متخصصة، وصولا إلى برامج تأهيل تمنح الخريج شهادة مهنية معترفا بها دوليا. عندها يصبح من حق العراق المطالبة بأن تكون نسبة لا تقل عن نصف العاملين في المشاريع الاستثمارية الكبرى من الكفاءات العراقية المؤهلة. ثانيا: من دون انتظار تشريعات تنهي مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي المتجدد ، لا بد أن ينهض القطاع الخاص بمسؤولية وطنية تتجاوز البحث عن الأرباح إلى صناعة شراكة عراقية حقيقية في المشاريع الاستثمارية المقبلة. فعلى كبرى الشركات العراقية وبنوك القطاع الخاص أن تتحول من مجرد وسيط تجاري إلى شريك في بناء رأس المال البشري، عبر إعداد وتأهيل كوادر عراقية تمتلك اللغة، والمعرفة، وإدارة المشاريع، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وثقافة الجودة الشاملة. فنجاح الاستثمار لا يقاس بعدد العقود الموقعة، وإنما بقدرة العراقيين على إدارة تلك العقود وصناعة قيمة مضافة فيها....هذه مهمة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة؛ فالعراق يمتلك طاقات إبداعية كبيرة، ينقصها فقط من يربطها بسوق العمل الدولية ، ويحولها من طوابير انتظار الوظيفة إلى شريك حقيقي في التنمية المستدامة . ثالثا: تمثل اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية فرصة حقيقية لتحويل التعاون في الجامعات والبعثات والبحث العلمي إلى أحد أهم عوائد الاستثمار الأجنبي. فمع تأسيس قاعدة استثمارية حقيقية، يمكن تمويل برامج للدراسات العليا والمنح البحثية التي تقدمها الشركات الكبرى، بما يعزز التقارب في البحث والتطوير، ويفتح الأبواب أمام الإبداع الأكاديمي العراقي، ولاسيما في الهندسة، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الطبية، والطاقة، وإدارة المياه، والزراعة الحديثة. ومثل هذا المسار كفيل بأن يرفد سوق العمل مستقبلا بخريجين يمتلكون أدوات المنافسة قبل دخولهم إليه، لا بعد خروجهم منه. كذلك يمكن الاستفادة من برامج جامعية لاسيما لجامعة ستانفورد في مناهج إعادة تأهيل العمالة العراقية. أما إذا بقيت ادارة المشاريع بعقلية الوظيفة البيروقراطية ، بينما يدار الاستثمار بعقلية السوق الدولي ، فإن المشهد سيتكرر عاما بعد آخر: خريجون يقفون أمام بوابات الشركات مطالبين بحقهم المشروع في العمل، وشركات تبحث عن كفاءات تجدها نادرة ، وحكومات تتبادل التبريرات، فيما تتسع الفجوة المعرفية بين الجامعة وسوق العمل. في ضوء كلما تقدم ... ليست المشكلة أن الشركات الأجنبية لا تريد تشغيل العراقيين، بل إن الدولة لم تنجح حتى الآن في إعداد الخريجين وفقا للمعايير التي تعمل بها تلك الشركات. وإذا كانت الحكومة تفاوض اليوم على استثمارات بمليارات الدولارات، فإن عليها أن تفاوض أيضا على نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وإعادة بناء التعليم العالي؛ لأن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من توقيع العقود، بل من بناء الإنسان القادر على تنفيذها. ليس أخطر ما يواجه العراق... تظاهرات الخريجين المتوقعة ، إنما تحول الجامعات إلى مصانع لإنتاج البطالة، وتتحول المشاريع الاستثمارية إلى ساحات مواجهة بين حق مشروع في العمل، وعجز مزمن في التأهيل. عندها لن تكون أزمة وظائف، بل أزمة دولة أخفقت في ربط التعليم بالتنمية المستدامة.. ، وأخفقت في تحويل الاستثمار إلى فرصة لبناء الإنسان قبل المشاريع... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون.!! |
| المشـاهدات 24 تاريخ الإضافـة 28/07/2026 رقم المحتوى 72579 |
توقيـت بغداد









