الثلاثاء 2026/7/28 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.97 مئويـة
نيوز بار
العراق بعد 2003… لماذا انتصر مشروع الدولة الفاشلة؟
العراق بعد 2003… لماذا انتصر مشروع الدولة الفاشلة؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حيدر صبخي الجوراني
النـص :

 

 

 

منذ سقوط نظام البعث عام 2003، لم يكن العراق ساحةً لتغيير نظام سياسي فحسب، بل كان ميداناً لصراع مشاريع كبرى، محلية وإقليمية ودولية، لكل منها رؤيتها الخاصة لمستقبل الدولة العراقية. وما زلنا حتى اليوم ندفع ثمن ذلك الصراع الذي انتهى بانتصار مشروع لم يكن معلناً بقدر ما كان واقعاً مفروضاً، هو مشروع الدولة الفاشلة.ولو أردنا قراءة المشهد بعيداً عن العواطف والشعارات، فإن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تمتلك، بعد إسقاط النظام السابق، مشروعاً استراتيجياً أكثر طموحاً من مجرد تغيير النظام. فقد كانت الرؤية الأولى تقوم على تأسيس دولة ليبرالية حديثة وفق النموذج الغربي، تستند إلى الديمقراطية بوصفها ثقافةً وممارسةً قبل أن تكون صناديق اقتراع، وتقوم على الفصل بين الدين والدولة في التشريع وإدارة المؤسسات، مع ضمان الحرية الدينية وحرية المعتقد بوصفهما حقين فرديين مصونين.ولم يكن الهدف عراقياً فحسب، بل كان جزءاً من تصور أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. فالعراق، بما يمتلكه من موقع جيوسياسي وثروات وعمق حضاري، كان مرشحاً ليكون النموذج الأول في العالم العربي للدولة الحديثة، ومن ثم قاعدةً لنشر هذا النموذج في المنطقة. ولو نجح هذا المسار، لكان العراق قد حظي بدعم أمريكي وغربي واسع، لأنه كان سيصبح حجر الزاوية في مشروع إعادة رسم الشرق الأوسط.غير أن هذا التصور لم يبقَ ثابتاً طوال سنوات ما بعد الاحتلال، إذ دفعت التعقيدات الأمنية، والأخطاء في إدارة المرحلة الانتقالية، وتداخل المصالح الداخلية والإقليمية، إلى تعديلات متكررة في المقاربة الأمريكية، لينتقل الاهتمام تدريجياً من مشروع إعادة بناء الدولة إلى إدارة أزماتها.إلا أن المشروع الأول اصطدم منذ أيامه الأولى بجدار من الرفض والتعارض، داخلياً وخارجياً.فعلى المستوى الداخلي، لم يكن الرافضون على اتجاه واحد. فقد كان هناك تيار وطني مؤيد للتغيير، لكنه رفض أن تكون الدولة العراقية نسخةً مستنسخةً من التجربة الليبرالية الغربية، ودعا إلى إقامة دولة مدنية ذات هوية وطنية تستلهم قيم الإسلام ومبادئه وتحترم عقيدة الأغلبية، من دون أن تتحول إلى دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي. وفي المقابل، برز تيار آخر لم يكن هدفه تعديل المشروع، بل إفشاله من أساسه، تمثل ببقايا النظام السابق والجماعات الإرهابية، التي اتخذت من شعارات المقاومة غطاءً لإغراق البلاد في دوامة العنف ومنع استقرار الدولة الوليدة.أما خارجياً، فقد كان الرفض أكثر تعقيداً؛ فهناك دول كانت تنظر إلى العراق بوصفه منافساً محتملاً إذا ما استعاد عافيته السياسية والاقتصادية، بينما رأت دول أخرى، كانت على خصومة استراتيجية مع الولايات المتحدة، في العراق بدايةً لمشروع أمريكي قد يمتد إليها لاحقاً، الأمر الذي جعل المصالح المختلفة تلتقي عند نتيجة واحدة، وإن اختلفت الدوافع.وهكذا، سقط مشروع الدولة النموذج، ولم ينتصر في المقابل مشروع الدولة الوطنية، بل تقدم مشروع الدولة الفاشلة. والمفارقة أن هذا المشروع لم يكن بحاجة إلى اتفاق مكتوب بين جميع خصومه، بل جمعهم هدف واحد، هو أن يبقى العراق ضعيفاً، مستنزفاً، وغير قادر على التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة.ورغم التأثير الواضح للعوامل الخارجية، فإن جانباً مهماً من هذا الإخفاق ارتبط أيضاً بأداء القوى السياسية العراقية بعد عام 2003، التي أخفقت في بناء مؤسسات دولة راسخة، وسمحت للمحاصصة والفساد وتغليب المصالح الفئوية بأن تتقدم على مفهوم الدولة.وبين المشروع الأمريكي من جهة، ومشاريع إفشال الدولة من جهة أخرى، برز مشروع وطني مستقل تبنته المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، يقوم على بناء دولة مدنية دستورية، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعلاء الكفاءة والمواطنة فوق المحاصصة والولاءات الضيقة.غير أن المؤلم أن قوى كثيرة كانت ترفع شعار الالتزام بالوطن أو بالمرجعية أسهمت، بقصد أو بغير قصد، في ترسيخ أركان الدولة الفاشلة، عبر المحاصصة، والمحسوبية، والتستر على الفاسدين، وتقديم الانتماء الحزبي والفئوي على مصلحة الدولة.ومن هذا المنطلق، يمكن فهم زيارة رئيس مجلس الوزراء إلى واشنطن بوصفها انعكاساً للتحول في الاستراتيجية الأمريكية أكثر من كونها محاولة لإحياء المشروع الذي رُسم للعراق بعد عام 2003.فواشنطن تدرك اليوم أن العراق لم يتحول إلى النموذج الليبرالي الذي كانت تطمح إليه، كما أنه لم ينجح في بناء نموذج وطني قادر على تجاوز المحاصصة والفساد وضعف المؤسسات. لذلك أصبحت أولوياتها أكثر واقعية، وتتمثل في منع انهيار الدولة، والحيلولة دون عودة الإرهاب، وضمان استقرار أسواق الطاقة، والحفاظ على التوازنات الإقليمية، أكثر من سعيها إلى إعادة هندسة النظام السياسي العراقي.أما ملف الفساد، فمن المرجح أن تتعامل معه الإدارة الأمريكية بوصفه تهديداً لاستقرار الدولة ومصالحها، ولذلك قد يزداد الضغط باتجاه إصلاحات مؤسسية وتعزيز الحوكمة والشفافية، دون الذهاب إلى تغيير جذري في بنية النظام السياسي.وفي ظل التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، وما يرافقها من مشاريع اقتصادية وممرات تجارية وتحالفات جديدة، يبقى العراق رقماً مهماً بحكم موقعه وثرواته، إلا أن هذه المقومات لن تتحول إلى نفوذ حقيقي ما لم تُبنَ دولة مؤسسات قادرة على فرض القانون، ومحاربة الفساد، وترسيخ مبدأ المواطنة.إن نهضة العراق لن تبدأ بزيارة إلى واشنطن، ولا ببيان سياسي، بل تبدأ من بغداد، حين تصبح المواطنة فوق المكونات، والكفاءة فوق الولاءات، والنزاهة فوق المحاصصة، والقانون فوق الجميع، ويُستبعد الفاسد أياً كان موقعه أو انتماؤه.عندها فقط يستطيع العراق أن يغادر مربع الدولة الفاشلة، ويدخل فضاء الدولة القادرة، التي تستعيد ثقة شعبها أولاً، ثم احترام ودعم المجتمع الدولي.ويبقى السؤال الأكثر إثارةً للجدل: هل فشل المشروع الأمريكي في العراق، أم أن العراقيين، ومعهم المتضررون إقليمياً ودولياً، نجحوا في إسقاطه، لكنهم لم ينجحوا في بناء مشروعهم البديل؟ولعل السؤال الأهم اليوم لم يعد: ماذا تريد واشنطن من العراق؟ بل ماذا يريد العراق من نفسه؟ لأن مستقبل العراق لن تصنعه القوى الدولية وحدها، بل سيصنعه العراقيون عندما يمتلكون مشروع دولة يتقدم على مشاريع السلطة والنفوذ.

 

المشـاهدات 15   تاريخ الإضافـة 28/07/2026   رقم المحتوى 72591
أضف تقييـم