الأحد 2026/11/1 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 24.95 مئويـة
نيوز بار ›
العراق بين وطنية الشعب وخيانة الأمانة: من هم العراقيون الحقيقيون؟
العراق بين وطنية الشعب وخيانة الأمانة: من هم العراقيون الحقيقيون؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ.د.عبدالرزاق محمد الدليمي
النـص :


 

سألني أحد العراقيين الوطنيين من الذين تابعوا فعالية السادس والعشرين من تشرين الأول ((بحيرة وألم ؟! من هم العراقيون الحقيقيون؟ أَهُم هؤلاء الشجعان الذين خرجوا وصدحت حناجرهم إلى عنان السماء دفاعاً عن وطنهم ومستقبل أبنائهم أم أولئك الفاسدون والعملاء الذين يسيطرون على مفاصل الدولة ويتحكمون بمقدرات البلاد؟)) أجبته بلا تردد: العراقيون الحقيقيون هم الوطنيون والشرفاء الذين يرون في العراق وطناً لا غنيمة وفي السلطة مسؤولية لا امتيازاً وفي ثروات البلاد حقاً لشعبها لا ملكاً للأحزاب والمتنفذين. والذين خرجوا يوم السادس والعشرين من تشرين الأول كانوا نموذجاً من هؤلاء لكنهم ليسوا وحدهم فهناك أغلبية وطنية صامتة مغلوبة على أمرها ترفض في أعماقها واقع الفساد والتبعية وضياع السيادة لكنها لم تجد بعد الطريق الذي يمكّنها من تحويل رفضها إلى قوة تغيير مؤثرة.المأساة العراقية ليست في غياب الوطنيين بل في أن الوطنيين لا يزالون عاجزين عن تحويل أغلبيتهم الاجتماعية إلى قوة سياسية قادرة على استعادة الدولة.

 

أغلبية صامتة.. ووطن مختطف

 

ليس كل من بقي في بيته راضياً بما يجري وليس كل من صمت متواطئاً. فهناك مواطن يخشى على رزقه وآخر يخاف على أسرته وثالث فقد ثقته بجدوى الاحتجاج بعد سنوات من الوعود المخذولة!!! وملايين أنهكتهم معركة تأمين لقمة العيش في بلد يمتلك من الثروات ما يكفي لتوفير حياة كريمة لأبنائه.لكن هذه الأغلبية على اتساعها تظل خارج معادلة التأثير ما دامت متفرقة وما دامت قواها الوطنية عاجزة عن تقديم مشروع موحد وقيادة نزيهة وبرنامج واقعي للتغيير.وفي المقابل استطاعت قوى منظمة تمتلك المال والنفوذ وشبكات المصالح أن تحجز لنفسها مواقع متقدمة في إدارة الدولة مستفيدة من الانقسامات المجتمعية وضعف البدائل الوطنية. وهكذا اتسعت الهوة بين شعب يريد دولة تحميه وقوى يتهمها خصومها بتقديم مصالحها على مصلحة الوطن.إن المشكلة ليست في اختلاف العراقيين فالتعددية ثروة وطنية بل في تحويل الاختلاف إلى أداة لتقسيم المجتمع وتقاسم السلطة والثروة، وإضعاف المواطنة لحساب الولاءات الضيقة.

 

العراق بين شعبه والمتنفذين فيه؟

 

حين تصبح المناصب غنائم والمال العام مجالاً للانتفاع ومؤسسات الدولة أدوات للنفوذ، يشعر المواطن بأن وطنه يُدار بعيداً عن إرادته وأنه يدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها، بينما تتراجع الخدمات والفرص والعدالة.وهنا يجب أن يكون المعيار واضحاً لا تُقاس الوطنية بالشعارات ولا بالمناصب ولا بالادعاءات بل بالمواقف والأفعال. من يصون المال العام ويحترم القانون ويدافع عن سيادة العراق ويخضع للمساءلة، ويقدم مصلحة المواطنين على مصلحته فهو أقرب إلى المعنى الحقيقي للوطنية. أما الفساد والتبعية واستغلال السلطة متى ثبتت بالأدلة فلا تسترها الشعارات مهما علت.ولا يجوز أن تتحول معركتنا إلى اتهام العراقيين بعضهم لبعض بل ينبغي أن تتجه إلى محاسبة من يسيء استخدام السلطة وإصلاح المؤسسات واستعادة القرار الوطني وفق القانون والأدلة والمساءلة العادلة.

 

السادس والعشرون من تشرين الأول.. بداية أم مجرد صرخة؟

 

إن قيمة الذين خرجوا في السادس والعشرين من تشرين الأول لا تكمن في عددهم وحده بل في أنهم أثبتوا أن روح الاعتراض الوطني لا تزال حية وأن الخوف والإحباط لم ينجحا في إسكات الجميع.لكن الصرخة مهما كانت مدوية لا تكفي وحدها لتغيير الواقع. فالتظاهرة قد تفتح الطريق، لكنها لا تبني الدولة بمفردها والهتاف قد يكشف حجم الغضب لكنه لا يغني عن التنظيم والبرنامج والقيادة.المطلوب أن تتحول هذه المبادرات إلى عمل وطني سلمي منظم وأن تلتقي القوى الوطنية على مشروع يتجاوز الانقسامات الحزبية والطائفية ويضع أمام العراقيين أهدافاً واضحة مكافحة الفساد واستقلال القرار وإصلاح مؤسسات الدولة وعدالة توزيع الثروة وتكافؤ الفرص وضمان التداول السلمي للسلطة.كما أن على النخب الأكاديمية والثقافية والإعلامية مسؤولية تاريخية في توعية المجتمع، وكشف الحقائق الموثقة وبناء الثقة، وتقديم البدائل الواقعية بدلاً من الاكتفاء بوصف المأساة أو تكرار الشكوى منها.

 

متى تستعيد الأغلبية الصامتة صوتها؟

 

أعود إلى سؤال صديقي الوطني: من هم العراقيون الحقيقيون؟ أقول: هم الذين لم يفقدوا إيمانهم بأن العراق يستحق دولة أفضل سواء عبّروا عن ذلك في الساحات أم في مواقع عملهم وحياتهم اليومية. والذين خرجوا في السادس والعشرين من تشرين الأول كانوا نموذجاً مشرفاً لهذه الروح لكن المسؤولية لا تقع عليهم وحدهم بل على كل القوى الوطنية التي تدرك أن استمرار الواقع لا يخدم مستقبل البلاد.العراق لا تنقصه الوطنية بقدر ما تنقصه وحدة الوطنيين ولا تنقصه الأصوات الرافضة للفساد بقدر ما تنقصه القدرة على تحويل هذه الأصوات إلى مشروع تغيير حقيقي.إن الأغلبية الصامتة لن تغيّر المعادلة بمجرد وجودها بل حين تكسر عزلتها، وتستعيد ثقتها بنفسها وتشارك بوسائل سلمية ودستورية وتجد مشروعاً وطنياً موثوقاً يستحق دعمها. وعندها لن يكون بمقدور أي قوة أن تتجاهل إرادة المجتمع إلى ما لا نهاية.فالعراق ليس ملكاً لمن يسيطرون على السلطة بل ملكٌ لشعبه وليس الوطن من يرفع اسمه في الخطب بل من يصونه بالفعل. وحين تتوحد إرادة العراقيين الشرفاء لن تبقى الأغلبية الوطنية صامتة ولن يظل مستقبل العراق رهينة لمن يضعون مصالحهم فوق مصلحة الوطن.

المشـاهدات 35   تاريخ الإضافـة 01/11/2026   رقم المحتوى 72990
أضف تقييـم