الأربعاء 2026/2/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 11.95 مئويـة
نيوز بار
الديمقراطية بين النظرية والواقع... أزمة الوعي السياسي في المجتمعات المتأخرة
الديمقراطية بين النظرية والواقع... أزمة الوعي السياسي في المجتمعات المتأخرة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. سلام قاسم
النـص :

 

 

 

تعد الديمقراطية منظومة سياسية راقية بنيت على أسس الوعي والشفافية والمساءلة، وهي في جوهرها عقد اجتماعي يتيح للناس اختيار من يمثلهم على أساس البرامج لا الأشخاص، وعلى أساس الكفاءة لا الانتماءات الضيقة. غير أن هذه المنظومة، حين تنتقل إلى مجتمعات تعاني من ضعف الوعي السياسي وسيادة الولاءات الأولية، تتحول من أداة لبناء الدولة إلى وسيلة لإعادة إنتاج الفوضى والفساد.في العديد من البلدان النامية، تختزل العملية الانتخابية في صراع طائفي أو عشائري أو نفعي، وليس في منافسة برامجية. فيمثل المرشحون ما يتوقعه الجمهور منهم، لا ما يجب أن يكون عليه الخطاب السياسي. فيلجأ البعض إلى الخطاب الطائفي لاستثارة الجماهير، فيما يلجأ آخرون إلى مغازلة زعماء العشائر أو أصحاب النفوذ الاقتصادي، لأنهم يدركون أن الصوت الانتخابي لم يتحول بعد إلى مسؤولية وطنية بل يُستخدم كأداة مقايضة.المشكلة ليست في الديمقراطية، بل في غياب البيئة التي تجعل منها ممارسة صحيحة. فحين يُنتخب مسؤول لأنه "قدّم خدمة" أو "شق شارع" أو "وظف أحد الأقارب"، فهذا يعني أن الناخب نسي أن المسؤول موظف عام واجبه الطبيعي أن يخدم الناس دون مقابل سياسي. وحين يُباع الصوت الانتخابي مقابل منافع أو وعود زائفة، فذلك يشبه بيع الكرامة الوطنية لمن يدفع أكثر.الخطابات الوطنية التي تدعو لمواجهة الفساد والطائفية والمحاصصة عادة لا تجد صدى واسعاً في بيئة تغلب عليها المصالح الضيقة. فالجماهير التي لم تحصن بوعي سياسي كافٍ تميل إلى التصويت لمن يثير مخاوفها أو يغري حاجاتها المباشرة. ومن هنا يصبح الفاسد أكثر قدرة على الفوز من المصلح، لأن أدواته أسرع تأثيراً وأقرب إلى المزاج الشعبي اللحظي.لا يمكن بناء ديمقراطية ناضجة في مجتمع محروم من التربية المدنية، ولا في بيئة تختزل فيها الدولة إلى شبكات نفوذ ومحسوبيات. الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل هي ثقافة تتطلب وقتاً طويلاً لتنضج، ومسؤولية تقتضي وجود إعلام مهني وتعليم متطور ومؤسسات قوية تحمي الناخب من التضليل والاستغلال.إن صوت الناخب هو شرفه السياسي، والتفريط به هو تفريط بمستقبل وطن كامل. ولا سبيل لنجاح الديمقراطية في البلدان المتخلفة إلا عبر مشروع وطني طويل الأمد يهدف إلى رفع الوعي، ومحاربة الفساد، وبناء مؤسسات مستقلة، وتحويل المواطن من تابع إلى مُراقِب يملك قراره.وحين يدرك الناس أن صوتهم أمانة، وأن المسؤول موظف في خدمتهم لا سيداً عليهم، عندها فقط يبدأ مسار الديمقراطية الحقيقي، ويبدأ الوطن بالخروج من دائرة التخلف إلى فضاء الدولة الحديثة.

 

المشـاهدات 25   تاريخ الإضافـة 04/02/2026   رقم المحتوى 70322
أضف تقييـم