| النـص :
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم على تطوير بنيتها التحتية لقطاع الطيران المدني فيها كي تواكب التقدم التكنولوجي المتسارع ومتطلبات السلامة الدولية يبقى العراق عالقاً في دوامة التخلف والإهمال الذي طال قطاعاً حيوياً يُعتبر واجهة البلاد أمام العالم الا وهو الطيران المدني بدأ من الحصار الدولي في التسعينيات إلى الحظر الأوروبي الذي أنهى عقده الاول قبل اشهر مروراً بالإهمال الممنهج للبنية التحتية والكوادر البشرية مما جعله يواجه أزمة وجودية جعلته قاب قوسين او ادنى من انهياره .التخلف ليس مجرد البقاء في نفس المكان بل هو التراجع رغم محاولات التطور , تخيل سيارتين على طريق واحد الأولى تسير بسرعة 100 كيلومتر في الساعة والثانية بسرعة 50 كيلومتراً المسافة بينهما تتسع مع كل متر إضافي حتى لو زادت السيارة الثانية سرعتها إلى 80 تبقى هناك مسافة فاصلة وتزداد طالما أن الأولى حافظت على سرعتها أو زادتها هذا بالضبط ما يحدث حالياً في قطاع الطيران المدني العراقي والذي تمثله السيارة التي كانت تسير بسرعة 50 قبل عام 2003 تراجعت اليوم إلى سرعة 30 وأقل بينما العالم لايزال يسير بسرعة 100 أو أكثر.شكل الحصار الدولي المفروض على العراق في التسعينيات ضربة قاسية لقطاع الطيران المدني في منعه من استيراد قطع الغيار والتقنيات الحديثة وهو ما أدى إلى تقادم الأسطول وتدهور البنية التحتية حينها كان هذا القطاع كالسيارة التي تسير بسرعة 50 بينما العالم يتقدم بسرعة 100 واستمرت هذه الحالة لحد 2003 ولكن بدلاً من أن تشهد مرحلة ما بعد 2003 نهضة في القطاع شهدت انهياراً مضاعفاً حيث اختفت ورش الصيانة التي كانت موجودة في هيكلية شركة الخطوط الجوية العراقية وأُهملت البنية التحتية وغابت الرؤية الاستراتيجية للتطوير اي السرعة التي كانت 50 تراجعت إلى 30 وأقل خصوصا انه ومنذ أكثر من عقد من الزمن يخضع الناقل الوطني العراقي لحظر أوروبي صارم يمنعه من التحليق في الأجواء الأوروبية هذا الحظر لم يأتِ من فراغ بل هو نتيجة طبيعية لعدم استيفاء معايير السلامة الدولية وضعف الرقابة التشغيلية علما ان الحظر الأوروبي ليس مجرد عقوبة بل هو شهادة دولية بفشلنا في توفير الحد الأدنى من معايير السلامة والجودة المطلوبة للطيران فوق اراضيهم في وقت لازالت الخطوط الجوية العراقية تعاني من شلل شبه تام في نصف أسطولها الجوي والسبب غياب ورش الصيانة والتصليح المتخصصة التي كانت موجودة قبل عام 2003 واليوم يتم تصليح أي عطل فني بإرسال الطائرة إلى الخارج وهو ما يكلف ملايين الدولارات ويستغرق أشهراً طويلة ليس هذا فقط وانما هناك مشكلة رئيسية اخرى تتمثل بغياب مركز تدريب طيران متخصص داخل العراق في وقت تُصرف ملايين الدولارات سنوياً على تدريب الطيارين والكوادر الفنية في الخارج هذا الوضع لا يمثل هدراً مالياً فحسب بل يعكس أخفاقا مؤسسياً في بناء قدرات وطنية مستدامة حيث كل دولار يُنفق على تدريب الطيارين في الخارج هو استثمار ضائع كان يمكن أن يبني قدرات محلية تخدم الأجيال القادمة.لاتقتصر أزمات قطاع الطيران المدني العراقي على النقل الجوي فحسب بل تعداه الى المطارات حيث تعاني المطارات العراقية من إهمال واضح وسوء إدارة مزمن جعل من مطار الموصل الحكومي الذي افتُتح كمطار دولي ان يتراجع إلى مطار محلي بسبب أخفاق الإدارة في استكمال متطلبات ترخيصه دوليا أما مطار النجف الأشرف الاستثماري وصلت الخلافات فيه على توزيع الوقود إلى درجة إيقاف رحلات الناقل الوطني بالكامل وهكذا مطار العاصمة بغداد الذي لايزال يعاني من إغلاق لبعض قاعات السفر فيه وتعطيل حمامات ومصاعد كهربائية بين الحين والاخر وهي اشارة الى إهمال واضح للبنية التحتية للمطاررغم طرحه للاستثمار منذ أكثر من أربعة أشهر عندما تم توقيع اتفاقية استثمار بنسبة 57% للمستثمر مقابل 43% للمطار لكن لم يبدأ أي إجراء تصحيحي حتى الآن في مطار يُفترض أن يكون البوابة الرئيسية للعراق , لعل بصيص النور الوحيد في هذا النفق المظلم ياتي من أدارة سلطة الطيران المدني العراقي التي نجحت في الاونة الاخيرة في تنفيذ بعض متطلبات المفروضة عليها من الايكاو وهو مايمكن تشبيهها بالسيارة التي رفعت سرعتها من 50 إلى ما يزيد قليلاً عن ذلك لكن تبقى الهوة بين ماتم وما مطلوب شاسعة ولاتكفي عندما يكون الآخرون يتقدمون بخطى أسرع.لقد كان لغياب المحاسبة في هذه الاخفاقات للمسؤولين في هذا القطاع سبب التخلف الحالي سواء في حكومات ما قبل 2003 أو ما بعدها على حد سواء فقبل 2003 كان هناك تقصير في مواكبة التطور العالمي أما بعد 2003 فقد تفاقمت الأزمة لعدة اسباب لعل ابرزها غياب الرؤية الاستراتيجية لتطوير القطاع مع انتشار الفساد الإداري وسوء توزيع الموارد نتيجة المحاصصة السياسية في تعيين القيادات الذي خلق إهمال البنية التحتية والكوادر البشرية هذا كله يضع على عاتق البرلمانيين الجدد والحكومة المقبلة أن يضعوا قطاع الطيران المدني في سلم أولوياتهم لللحاق بركب العالم وهو ليس مستحيلاً لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية وخطة عمل واضحة تشمل العمل الجاد على استيفاء جميع معايير السلامة الدولية وتعزيز الرقابة التشغيلية بما يضمن رفع الحظر واستعادة الثقة الدولية في الناقل العراقي مع إعادة بناء البنية التحتية كإنشاء مراكز صيانة وتصليح متطورة داخل العراق لتقليل الاعتماد على الخارج وخفض التكاليف التشغيلية والتفكير جديا ببناء القدرات الوطنية من خلال تأسيس مركز تدريب طيران متخصص يستوفي المعايير الدولية لتدريب الطيارين والكوادر الفنية محلياً وتوفير ملايين الدولارات المُهدرة سنوياً هذا فيما يتعلق بناقلنا الوطني أما المطارات فتحتاج الى تعيين إدارات كفؤة بعيداً عن المحاصصة السياسية مع وضع آليات رقابة صارمة لضمان الشفافية والكفاءة وتعمل على مراقبة عمل المستثمرين في تحويل اتفاقيات الاستثمار من حبر على ورق إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع .قطاع الطيران المدني ليس مجرد رفاهية أو خدمة ثانوية بل هو بوابة العراق إلى العالم وعنوان سيادته وحضارته وتخلف هذا القطاع يعني عزلة العراق وتراجع صورته الدولية من الحصار في التسعينيات إلى الحظر اليوم اي كالسيارة التي كانت قلت السرعةمن 50 إلى 30 بينما العالم يتقدم بسرع عالية تجاوزت ال 100 بكثير , السؤال الذي يواجهنا اليوم ليس ما إذا كنا قادرين على الطيران مجدداً بل هل لدينا الإرادة والجدية للبدء علما ان الحلول موجودة والموارد متاحة والكفاءات متوفرة ما ينقصنا هو القرار الشجاع والارادة الحرة والتنفيذ الجاد ....العالم لن ينتظرنا والفجوة تتسع مع كل يوم يمر في التسويف والإهمال.
|