الأربعاء 2026/3/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 9.95 مئويـة
نيوز بار
حكاية نص: (قبعة موفق محمد).. لناجح المعموري
حكاية نص: (قبعة موفق محمد).. لناجح المعموري
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

أحمد الناجي

لم يكن الأديب ناجح المعموري شخصاً عابراً في علاقته مع الشاعر موفق محمد، بل كان شاهداً على محطات أساسية من حياته وسيرته الإبداعية، منذ أن التقيا في الخطوات الأولى لمشوار الكتابة معاً، يوم ظهرت -مصادفة- في منتصف ستينيات القرن الماضي، مقاطع مجتزأة من قصائدهما مكتوبة باللغة المحكية على إحدى صفحات جريدة (كل شيء) البغدادية، كإشارة مبكرة الى وعي أنطلق في التشكل.  فما لبثت الصداقة أن أخذت تتوثق بينهما، وتزداد رسوخاً وعمقاً مع توالي الأزمنة. انهمكا معاً في تشييد ثقافة الذات، حيث راحت بذرات الإبداع يوماً بعد أخر تتشكل في عوالم الخيال الخصب، وتنمو من ينابيع المعرفة، وحملتهما مراكب الحياة الى شواطئ الفكر التقدمي اليساري، فتجلى التألق في صوغ انفعالات أعماق النفس بوهج القلم الملتزم، وأثمر الإلهام لدى كل منهما على نحوٍ يوازي ما تجود به الموهبة النابضة بتلاوين الإبداع سواء في الشعر أو السرد، وهكذا تبدت الكلمة الحرة المهمومة بالواقع والآفاق المستقبلية، فتشاركا بالأحلام المشرقة على ضفاف الكلمات التي تنشد حرية الوطن وسعادة الإنسان، وعاشا معاً صداقة حميمية في حقبة زمنية عاصفة تقلبت فيها الأحوال وتبدلت الوجوه، تعاظمت التحديات في زمن الاستبداد، واشتدت المحن التي حاصرتهما حتى حد الاختناق، ومرت الريح العاتية على السنابل الممتلئة، وهي تلوذ وتناور، مالت بثقلها أمام شدة الريح، لكنها لم تنكسر، وبقيت شامخة، تومئ للريح لتدلها على الطريق كما صور أدونيس ذلك الموقف الإنساني المشرف في التماعة رائعة، مكتفية بصورة شعرية خالصة بلا زوائد.

 (قبعة موفق محمد) نص شعري غير منشور كتبه ناجح سنة 2006، وقد ظل مودعاً في أرشيفي قرابة عقدين من الزمن، أما حكايته فقد بدأت خيوطها تنسج في تلك المساءات التي جمعتني وناجح في بيت (بداري) بضيافة الشاعر موفق محمد، الإنسان والصديق.. ملك السخرية الذي يضفي بخفة روحه على سهراتنا ألقاً خاصاً، وعلى يديه كانت اللحظات تتفتح مرحاً، فلا تنتهي إلا متوهجة في الطرافة والاستغراق بالضحك، ومرايا أحاديثنا كانت تعانق موضوعات الحياة والشعر والثقافة. وأمسينا في العادة نتشارك طقس الاستماع الى أغاني سعدي الحلي، فقد افتتن موفق منذ زمن بعيد بصوته الذي غدا له ملاذاً، يستدرجه في لحظات كثيرة الى الإصغاء والتماهي مع أغانيه، وكانت كلمات كل منا مجنحة مع نغمات تلك الأغاني تطير في سماء الفضفضة، حتى غدت بهجة سهرتنا لا تكتمل إلا بحضور أشجان سعدي النازفة.

وتجلت مفارقة طريفة لما استحوذت فكرة على موفق، ظل يرددها، حتى بات حضورها ملازم لحديثه، إذ كان يطلب بين حين وأخر من ناجح أن يكتب نصاً عن سعدي الحلي، ومع مرور الوقت تحولت هذه الرغبة الى إلحاح متواصل، يضغط على ناجح ويتكرر على مسامعه يومياً، مرة عند اللقاء، وأخرى عبر التواصل الهاتفي. وذات مساء من يوم شتائي قارص البرودة في أواخر سنة 2006، تأخر ناجح عن موعده المعتاد، فلم يأتِ، فمضينا لإحضاره الى بيت (بداري) بعد شيء من الممانعة بسبب شدة البرد، وحين حضر كان يحمل في يده وريقات تضم نصاً مطولاً كتبه استجابة لرغبة موفق، ولندع إكمال الحكاية وبقية تفاصيلها لما جاد به قلم ناجح في مجتزأ من مقال جاء بعنوان (موفق محمد يحلم بنا ونحن نقرأ الحلة)، نشره في (مجلة الأديب العراقي)، بالعدد: 23، بتاريخ ربيع 2020، ص184-186. يقول فيه: "جاءني موفق محمد مع الصديق أحمد الناجي، وكنت أحمل أثقل ملابسي بسبب البرد. تسللت الى غرفة الأم العظيمة (بداري)، ومنح جلستنا كل موجود تحت سريره مرة لوز جوز ومكسرات، طلبنا منه أن يستمع لما كتبت، قرأت وهو يحوس بعينه ويداعب شاربه ويغسله بدخان سكائره، حتى عرفت ما يكفيني ويفرحني، وظل النص متدفقاً والشاعر صامت متورد الوجه ملتمع العينين، يقرض لبة جوز كطفل يتعلم تواً القضم، انتهى النص وقال الشاعر: سعيد ومعجب وإذا مت لا تكتب مرثية عني لأن نصك خزان فيه كل شيء".

تفننت ذات ناجح المبدعة في التعبير عن انفعالات ما تشكل في الوجدان من أحاسيس وانطباعات، وقد استرسل بعفوية مكتسية بمشاعر التكريم العاطفي في تقديم سردية متواترة زاخرة بمشتركات مدهشة حافلة بما تراكم من ظلال الحياة، واختزن في الذاكرة من مرموزات أسطورية، فحمل النص في طياته الكثير من الدلالات الجمالية الموحية بغنى المضامين الفكرية التي تنشط المدارك وتحفز الخيال، لاسيما حين تتعانق صورة العابر اليومي مع الشأن الثقافي في تلك الفضاءات المنغمة، حيث كان صوت سعدي الشجي يعلو، فيتسلل الى الدواخل ويهز أوتار القلب، يوقظ الأحاسيس قبل أن يستقر في الوجدان.

ولا تفوتني الإشارة الى أن ناجح قد كتب عدداً من الدراسات النقدية حول منجز موفق الشعري، أصدرها  في كتاب بعنوان النص الشعري نفسه (قبعة موفق محمد، دار تموز، دمشق، 2012). وامتد زمن الصداقة والكتابة في ظل تعاقب الأيام وتلاحق السنين، وظلت الألفة المشتركة قائمة بينهما، غير أن الحياة مهما امتد بها الزمن تبقى قصيرة، ومسارها يتسربل من غير أن ينتظر أحداً، إذ تأكل نوائب الدهر من جرف العمر، وتختطف منا الأحبة، فيمسي الإنسان مثقلاً بمرارات بليغة، مغلوباً على أمره، ذلك ما حصل لناجح، إذ غلبه المرض، فاعتزل في وحدانية قاسية، وكف عن الكتابة، وتخللت تلك الفترة العصيبة فاجعة رحيل موفق عن دنيانا في يوم 15 أيار 2025، وقد جرى كتمان الخبر المؤلم عنه، إذ كان يومئذ يعيش في معترك لعبة الحياة والموت، وحين بلغه النبأ بعد أزيد من شهرين، لم يكن قلمه يقوى على رثاء رفيق دربه، ولم يكن بمقدوره حتى نشر النص المودع لدي، والذي كان موفق يحسبه أبلغ الرثاء، فتعذر عليه تحقيق أمنية رفيق العمر. 

وبعد رحيل صديقه موفق، مضى ناجح يطوي أيامه على قيد الانتظار، والمرض اللعين يتناهبه وينهش دواخله، مستسلماً لما تمليه الأقدار، ولم يطل به المقام على هذا الحال، حتى جاءت لحظة الفقدان الموجعة، معلنة رحيله في 24 كانون الأول 2025، الى حيث السكون الأبدي. ويبقى عزاؤنا في نشر نص المعموري الشعري، وما كتب في تقديمه، تكريماً واستذكاراً لأحبة من رفاق درب وقامات أدبية لامعة، غيبهم الموت واحداً إثر أخر، فتركوا في القلب أسى ولوعة. وهكذا نمضي مثقلين بالغياب، لا منقذ لنا سوى القلم، إذ نستودعهم الحرف في مرئية تشاركية، لتبقى شاهداً على محبتنا ووفائنا، وذكرى حضورهم التي لا تذوي.

المشـاهدات 8   تاريخ الإضافـة 10/03/2026   رقم المحتوى 70841
أضف تقييـم