السبت 2026/3/28 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 12.95 مئويـة
نيوز بار
هندسة الفوضى لبنان بين الدولة والميدان (الحلقة الرابعة)
هندسة الفوضى لبنان بين الدولة والميدان (الحلقة الرابعة)
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

في الحروب التي تُخاض على حافة الكيانات، لا يكون السؤال من يطلق النار، بل من يمنع الانهيار. في لبنان، تتوزع الأدوار بين دولة تحاول أن تُمسك بالخيط، وقوة ميدانية فرضت نفسها كحقيقة لا يمكن تجاوزها، لا في الحرب ولا في السياسة.

 

الدولة، بنصوصها ودستورها، تبدو وكأنها صاحبة القرار. مسار تفاوضي واضح، تسلسل مؤسساتي، وصورة رسمية توحي بالتماسك. لكن هذه الصورة تصطدم بواقع أكثر صلابة، واقع تشكّل عبر سنوات من الصراع، حيث لم تعد الدولة وحدها هي من يحدد قواعد الاشتباك.

 

في هذا الفراغ، برزت قوة على الأرض لم تأتِ من فراغ، بل من تراكم طويل من المواجهات، والخبرات، والقدرة على ملء الفراغ حين تراجعت المؤسسات. هذه القوة لا تتصرف كبديل عن الدولة، لكنها في الوقت نفسه لا تنتظر إذنًا منها لتدافع عن الأرض.

 

وهنا تتشكل معادلة دقيقة، الدولة تفاوض، لكنها تستند ضمنياً إلى توازن صنعه الميدان. والميدان يقاتل، لكنه يدرك أن ما يثبته بالنار سيُترجم لاحقاً على الطاولة. ليست علاقة صدام مباشر، بل تداخل معقد بين شرعيتين، واحدة رسمية، وأخرى فرضتها الوقائع.

 

في الميدان، الصورة أوضح. لا اجتياح شامل، بل مواجهة محسوبة. تقدم بطيء من جهة، واحتواء محسوب من جهة أخرى. ليس الهدف خوض معركة كلاسيكية مفتوحة، بل إدارة استنزاف مدروس، يمنع الخصم من تحقيق اختراق حاسم، ويُبقي كلفة التقدم أعلى من فائدته.

 

هذه ليست صدفة، بل أسلوب قتال يعرف حدوده كما يعرف إمكانياته. لا اندفاع غير محسوب، ولا انسحاب مجاني. كل متر له ثمن، وكل خطوة تُقاس بنتائجها، لا بضجيجها.

 

في المقابل، يحاول الطرف الآخر إعادة إنتاج فكرة “المنطقة العازلة”، لكن بظروف مختلفة. هذه المرة، لا يُراد فقط السيطرة على الأرض، بل تفريغها. قرى تُدمر، سكان يُدفعون إلى الرحيل، وكأن الهدف ليس فقط الأمن، بل تغيير الواقع الديموغرافي نفسه.

 

لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضها في داخلها. لأن الأرض التي تُفرغ بالقوة، تتحول إلى دافع إضافي للمواجهة، لا إلى ضمانة للاستقرار. التجارب السابقة لا تزال حاضرة، والذاكرة في هذه المنطقة لا تُمحى بسهولة.

 

في الداخل اللبناني، يوازي هذا المشهد نقاش حاد حول من يملك قرار الحرب. الدولة تعترض، وتتمسك بمنطق السيادة، فيما يرى آخرون أن التهديد لا ينتظر الإجماع، وأن الرد لا يمكن أن يبقى رهينة التعطيل السياسي.

 

وبين هذين المنطقين، تتشكل حقيقة ثالثة، أن التوازن القائم، رغم تناقضاته، هو ما يمنع الانزلاق إلى الأسوأ.

 

الدور الدولي يزيد الصورة تعقيداً. لا رعاية حاسمة، ولا ضغط كافٍ لفرض تسوية. فقط إدارة للصراع، ومحاولة إبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها. “ضوء أصفر” طويل، يسمح بالحركة، لكنه لا يضمن السلامة.

 

أما الضمانات، فهي في زمن الحرب أقرب إلى الأمنيات. البنية التحتية تحت التهديد، والمرافق الحيوية ضمن بنك الأهداف، والتطمينات لا تتجاوز كونها مؤقتة. في النهاية، من يملك القوة على الأرض هو من يحدد السقف الفعلي.

 

وسط كل ذلك، يبقى المجتمع اللبناني العنصر الأكثر إثارة للانتباه. رغم الضغط، ورغم النزوح، هناك قدرة على التماسك والاستمرار، بلد يبدو هشًا في السياسة، لكنه يُظهر صلابة في وجه الأزمات.

 

لكن هذه الصلابة ليست بلا ثمن. كل يوم حرب يترك أثره، ومع طول أمد المواجهة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، إلى متى يمكن لهذا التوازن أن يصمد؟

 

في نهاية المطاف، ما يجري هو إعادة تشكيل بطيئة لقواعد الاشتباك، حيث يفرض الميدان حدوده، وتحاول الدولة أن تواكب، ويتدخل الخارج ليضبط الإيقاع دون أن ينهيه.

 

وفي قلب هذا المشهد، تتكرس حقيقة يصعب تجاهلها، أن من يصمد على الأرض، يصبح جزءاً من معادلة القرار، سواء أُعلن ذلك أم لا.

 

لكن هل يبقى هذا التوازن قائماً ؟ أم أن لحظة قريبة ستفرض معادلة جديدة لا تعترف إلا بمن بقي واقفاً حتى النهاية؟

 

يتبع...

 

 

 

المشـاهدات 116   تاريخ الإضافـة 27/03/2026   رقم المحتوى 70853
أضف تقييـم