الخميس 2026/6/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.29 مئويـة
نيوز بار
طعام، صلاة، نباح..قراءة سينمائية لعلاقة الكلاب بالبشر
طعام، صلاة، نباح..قراءة سينمائية لعلاقة الكلاب بالبشر
سينما
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

يقلب الفيلم الألماني "Eat Pray Bark" مفاهيم الطاعة التقليدية للحيوانات الأليفة، ليتحول من كوميديا خفيفة إلى جلسة علاج نفسي عميقة، حيث يكتشف الأبطال أن اضطراب سلوك كلابهم ليس سوى مرآة عاكسة لمخاوفهم المكبوتة ولعقدهم النفسية، وأن التغيير الحقيقي لكلابهم وبالتالي لكل العالم من حولهم، يبدأ من مواجهة الذات وتحريرها من قيود الخوف المكتوم.يقدّم الفيلم الألماني “Eat Pray Bark” للمخرج ماركو بيتري، والذي يمكن ترجمة عنوانه إلى العربية “طعام، صلاة، نباح”، مفارقة درامية ساخرة وذكية، تنطلق من عنوانه المستوحى من العمل السينمائي الشهير “Eat Pray Love”، “طعام، صلاة، حب”، ليتناول قصة مجموعة من الأشخاص المشتتين الذين يجمعهم قاسم مشترك واحد، وهو معاناة كلابهم من مشاكل سلوكية مضطربة كالعدوانية والخوف والقلق. يلوذ هؤلاء الأفراد بمركز لتدريب الكلاب ظنا منهم أنهم يدفعون المال لإصلاح حيواناتهم الأليفة، لتنقلب الآية تدريجيا ويجدوا أنفسهم داخل رحلة إعادة تأهيل نفسية وعاطفية تخصهم هم في المقام الأول.يكتشف الأبطال أن المركز لا يركز على تدريب الحيوان، بل يضع مرآة مواجهة أمام صاحبه، حيث يتضح أن الكلاب لا تحتاج إلى طاعة عمياء، بل إن أصحابها هم من يحتاجون إلى تفكيك عقدهم النفسية وتعديل سلوكياتهم وأفكارهم وتصالحهم مع ذواتهم.تتجلى في الفيلم الصادر حديثا فكرة نفسية وعلمية عميقة تؤكد أن الحيوانات لا تقرأ الكلمات بل تقرأ الطاقة والمشاعر المخفية غير المنطوقة، وبذلك يصبح الكلب بمثابة المقياس الحقيقي والمرآة العاكسة لما يضمره صاحبه. فإذا كان الشخص يتظاهر بالهدوء والصلابة أمام المجتمع بينما يغلي في أعماقه من التوتر أو الخوف أو الغضب، فإن الكلب يستلم هذه الإشارات العصبية المكبوتة ويعكسها فورا على شكل سلوك مضطرب كالنباح المستمر أو العناد أو الحركة الشديدة. هنا يسقط القناع الاجتماعي، ويتحول الكلب إلى مرآة عاكسة لا تجامل، ليعلن للعالم من خلال تصرفاته عن المشاعر الحقيقية التي يجهد صاحبه في كتمانها وإخفائها عن أعين الناس.من خلال هذا الترابط، يستعرض الفيلم نماذج بشرية متنوعة ومألوفة، يخفي كل شخص فيها مخاوفه وصراعاته الداخلية التي تحدد غاياته وأهدافه في الحياة دون وعي منه. فالشخصية المسيطرة التي تدير عملا ناجحا تملك كلبا شرسا يعكس رعبها الخفي من فقدان السيطرة، والشخصية القلقة تملك كلبا يرتجف خوفا ليعكس ترددها في مواجهة العالم، بينما تملك الشخصية التي تبحث عن الكمال كلبا يرفض الأوامر ليفكك رغبتها المستمرة في الظهور بمظهر مثالي. تصبح هذه الصراعات والكلاب المرتبطة بها دليلا على أن كل شخص يقوده خوفه الخاص، وأن الأهداف التي يركضون وراءها ليست سوى محاولات للهروب من مواجهة هذا الخوف.تجسد شخصية أورسولا هذه الفكرة بوضوح، فهي سياسية مرشحة من حزبها لتكون وزيرة البيئة لكن تصريحاتها الكارهة للحيوانات تؤجج حملة ضدها، ويطالب الناس بعدم ترشيحها، لذلك تنصحها مستشارتها الخاصة أن تتبنى كلبا وتتعلم كيف تتعامل معه، لتغير الصورة العامة حولها وتقنع الناس وتفوز على منافسها السياسي المرتشي. تخفي شخصيتها وتتنكر بارتداء باروكة، وفي حين تنجح في إخفاء هويتها الحقيقية لا تنجح في إخفاء كرهها للكلاب.ترفض الكلبة الانصياع لهذه الصورة المصطنعة، فتتحول إلى أداة تكشف هشاشة صاحبتها الداخلية. ومع تقدم الأحداث تدرك أورسولا أن المشكلة ليست في الحيوان، بل في خوفها الدائم من الضعف ومن فقدان السيطرة، وأن قبولها لذاتها كما هي يمنحها القدرة على بناء علاقة أكثر صدقا مع العالم.أما هاكان، فيعيش حالة مستمرة من الحذر وعدم الثقة. يبدو من الخارج رجلا متحفظا ومنعزلا، لكن كلبته القلقة تكشف ما يخفيه من خوف عميق من الانفتاح على الآخرين ومن التعرض للأذى. وكلما ازداد توتره انعكس ذلك على الحيوان، فتزداد الكلبة قلقا واضطرابا، فيدخل الاثنان في دائرة مغلقة من الخوف المتبادل.ثم يتكشف عبر مرور الأحداث أن هاكان رجل أمن وأن الكلبة هي كلبة بوليسية متقاعدة، وهو يكمم فمها دائما، رفضا لسماع صوتها، لأنها لم تحم صاحبها الحقيقي، أخاه، من مجموعة مسلحة سطت على مقر عمله، وأردته قتيلا.من خلال هذه الشخصية يبين الفيلم أن ما نرفض الاعتراف به والتسامح معه في أنفسنا قد يظهر أمامنا في صورة أخرى، وكأن الحيوان يعبّر عما يعجز صاحبه عن قوله، ويذكرنا بفكرة مهمة، أن لا نلوم الظروف الخارجية والآخرين، بل نقرأ ما يحدث حولنا بعقلانية بأن كل شخص مسؤول عما يحدث معه.وفي حالة الزوجين زيغي وهيلموت، تصبح الكلبة الصغيرة “ليدي غاغا” مرآة لعلاقة زوجية تعاني من التصدع. فالشجار المستمر والتوتر الكامن بينهما لا يبقى محصورا في علاقتهما الخاصة، بل ينتقل إلى الكائن الذي يعيش معهما. تبدو الكلبة وكأنها تمتص كل ذلك الاحتقان وتعيد التعبير عنه بطريقتها الخاصة. وهنا يلمّح الفيلم إلى أن المشاعر الإنسانية لا تبقى سجينة أصحابها، بل تنتشر في المحيط وتؤثر في كل من يشاركهم حياتهم.أما بابس، التي تبدو مرحة وعفوية، فتخفي خلف ابتسامتها خوفا عميقا من الوحدة والرفض. وتحضر هذه المخاوف في سلوك كلبها المندفع والفوضوي، الذي يبدو وكأنه يجسد القلق العاطفي الذي تحاول هي إخفاءه عن الآخرين. ومع الوقت تدرك أن محاولتها المستمرة للظهور بمظهر الشخص السعيد لا تلغي مخاوفها، بل تدفعها إلى الظهور بطرق أخرى. وفي الأخير تتعلم أن لا تخفي مخاوفها وأنها تحتاج أن تكون على حقيقتها ولا تخاف من خسارة الناس، ومن خسارة كلبها أيضا، بل يجب عليها توجيه قواعد وأوامر واضحة وقصيرة للكلب كي تتمكن من التحكم فيه وتمنحها المراقبة في الملجأ إمكانية استمرار الاحتفاظ به.ما يجمع جميع هذه الشخصيات أنها تصل إلى المعسكر وهي مقتنعة بأن المشكلة خارجها: في الكلب، أو في الظروف، أو في الآخرين. لكن التجربة تقودها إلى نتيجة مختلفة تماما. فالتغيير لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل. وعندما يبدأ كل واحد منهم في الحديث بصراحة عن مخاوفه، وعن خيباته، وعن الأشياء التي ظل يخفيها حتى عن نفسه، تتغير علاقته بكلبه وتتغير نظرته إلى الحياة. حتى صاحب النزل حين يكتشف ضيوفه أنه يتقمص شخصية ثانية ليحافظ على الفندق ويحبط كل جهود بيعه، يتحدون معه ويقررون مساعدته، ويكتشف هو بدوره أن الهروب من المخاوف يزيد من المخاطر. إن الاعتراف بالمخاوف لا يجعلها أكبر، بل يحرر الإنسان من سطوتها، ويمنحه قدرة أكبر على فهم نفسه واتخاذ قراراته بحرية.في نهاية المطاف، يتحول الفيلم من مواقف كوميدية خفيفة إلى جلسة علاج نفسي جماعي عميقة تقدم درسا حياتيا بليغا، يتلخص في ضرورة التوقف عن التركيز على ما يحدث في الخارج والبدء في التدبر في الأنفس، ويتعلم الأبطال أن الحديث عن المخاوف بشجاعة وتحريرها، بدلا من إسقاط اللوم على الظروف أو على سلوك الكلاب، هو المفتاح الحقيقي للتغيير. وبمجرد أن يعترف الأفراد بضعفهم ويصلون إلى السلام الداخلي، تنتقل هذه المشاعر الإيجابية تلقائيا عبر المقود إلى حيواناتهم لتهدأ، وتنفتح أمامهم أبواب التحرر، إذ يدركون أن إصلاح الداخل هو ما يغير الخارج، وأن تحرير النفس من قيود الخوف المكتوم يجعل الحياة تتشكل تلقائيا وتتغير لتصبح هادئة، متزنة، وكما يحبون ويرغبون تماما.على المستوى التقني، اعتمد المخرج ماركو بيتري على أسلوب بصري هادئ ينسجم مع الطابع التأملي للفيلم، رغم أنه يصنف في إطار الكوميديا الخفيفة. فجاءت الكاميرا قريبة من الشخصيات في الكثير من المشاهد، مركزة على تعبيرات الوجوه وردود الأفعال الصغيرة التي تكشف ما تعجز الشخصيات عن قوله بالكلمات. كما وظّفت اللقطات المتوسطة والقريبة لإبراز العلاقة الحميمة بين الإنسان وكلبه، بينما استُخدمت اللقطات الواسعة في مشاهد الطبيعة والمعسكر لتذكير المشاهد بأن الشخصيات تخوض رحلة داخلية نحو التحرر والانفتاح.ويلاحظ أيضا أن حركة الكاميرا بقيت سلسة وغير متكلفة، ما منح الفيلم إحساسا بالعفوية والواقعية، وكأن المشاهد يراقب مجموعة من الأشخاص الحقيقيين وهم يكتشفون أنفسهم تدريجيا. أما الإضاءة فغلبت عليها الألوان الطبيعية والدافئة، مبتعدة عن المؤثرات البصرية الصارخة، في انسجام مع موضوع الفيلم القائم على الصدق والمواجهة الذاتية.كما لعب اختيار مواقع التصوير دورا مهما في بناء المعنى الدرامي، فقد جرى تصوير معظم الأحداث في فضاءات مفتوحة تحيط بها الطبيعة، بما تحمله من دلالات على التحرر والتجدد والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية. وتبدو أماكن التدريب أقل شبها بالمؤسسات الرسمية وأكثر قربا من فضاءات الاسترخاء والتأمل، وهو ما يعزز فكرة أن الشخصيات جاءت لتتعلم شيئا عن نفسها لا عن كلابها فقط.كما جاءت الأزياء بسيطة ومتناغمة مع الخلفيات الطبيعية، فبدت الشخصيات بملابس عملية وغير متكلفة تعكس شخصياتها ومواقعها الاجتماعية من دون مبالغة. وساعد هذا التوجه في منح العمل طابعا واقعيا يبتعد عن الزخرفة البصرية لصالح التركيز على التحولات النفسية للأبطال. كذلك أسهم المونتاج الهادئ والإيقاع المتوازن في إعطاء مساحة للحوارات وللحظات الصمت والتأمل، بينما جاءت الموسيقى التصويرية داعمة للمشاعر من دون أن تفرض نفسها على المشاهد، محافظة على اللمسة العاطفية التي تميز الفيلم بأكمله.

 

حنان مبروك

المشـاهدات 74   تاريخ الإضافـة 04/06/2026   رقم المحتوى 71145
أضف تقييـم