| النـص :
لو كان التاريخ يقاس بعدد القتلى لكانت كربلاء حادثة صغيرة في سجل الحروب. ولو كان يقاس بحجم الأراضي التي تغيرت خرائطها بعد المعارك لما احتاج المؤرخ إلى أكثر من بضعة أسطر لتوثيق ما جرى فيها. لكن ما حدث كان مختلفاً. فبعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً ما زال ملايين الناس يعودون إلى كربلاء كل عام بينما اختفت من الذاكرة العامة أسماء معارك هزت قارات كاملة وغيرت مصائر أمم.هنا يبرز السؤال الذي لم يفقد راهنيته رغم مرور القرون. ما الذي حدث في كربلاء حتى تبقى الإجابة لا تبدأ من السيوف ولا من عدد المقاتلين ولا من تفاصيل المواجهة العسكرية. إنها تبدأ من شيء آخر تماماً. تبدأ من الرواية.ففي التاريخ وقائع كثيرة انتهت بموت أصحابها. أما كربلاء فقد بدأت حياتها الحقيقية بعد انتهاء القتال. كأن المعركة التي حسمتها السيوف في ساعات قليلة انتقلت بعد ذلك إلى ميدان آخر أكثر اتساعاً وأطول عمراً. ميدان الوعي والذاكرة والمعنى.كانت واقعة الطف حدثاً سياسياً في لحظته الأولى. خلاف على الشرعية وشكل الحكم ومستقبل الدولة الناشئة. لكن الزمن لم يحتفظ بها لهذا السبب وحده. فالتاريخ مليء بصراعات السلطة التي لا يكاد أحد يتذكر تفاصيلها. ما أبقى كربلاء حية هو أنها تجاوزت إطار النزاع السياسي لتتحول إلى قضية أخلاقية وإنسانية مفتوحة على التأويل في كل عصر.حين خرج الإمام الحسين بن علي لم يكن يخوض معركة حدود أو ثروات أو نفوذ. ولهذا لم تُقرأ خطوته في الوجدان الشعبي باعتبارها محاولة للوصول إلى الحكم بقدر ما قُرئت باعتبارها موقفاً من مسار رآه خاطئاً. ومنذ تلك اللحظة بدأت الواقعة تكتسب معناها الرمزي الذي جعلها تتجاوز زمانها ومكانها.لم يكن سرها في القوة المادية بل في قدرتها على إنتاج معنى يتجدد مع كل جيل. فالمظلوم رأى فيها حكايته. وصاحب المبدأ وجد فيها مثالاً لما يمكن أن يدفعه الإنسان ثمناً لموقفه. والباحث عن العدالة قرأ فيها صراعاً أزلياً بين السلطة والضمير. وحتى الذين ينظرون إليها من زاوية تاريخية بحتة يجدون أنفسهم أمام حدث تجاوز حدود عصره ليصبح جزءاً من التراث الإنساني لكن هناك جانباً آخر كثيراً ما يتم تجاهله عند الحديث عن كربلاء. فالأحداث الكبرى لا تبقى لأنها وقعت فقط بل لأنها رويت.ربما كانت هذه الحقيقة من أهم الدروس التي تقدمها واقعة الطف. آلاف المعارك شهدها التاريخ الإسلامي والعالمي. معظمها انتهى بانتهاء أبطاله. أما كربلاء فقد امتلكت قدرة استثنائية على إعادة إنتاج نفسها عبر الأجيال. الخطب والقصائد والمجالس والروايات والكتب والمسرحيات والأعمال الفنية كلها شاركت في إبقاء الحدث حياً. لم تكن الذاكرة هنا مجرد حفظ للماضي بل كانت عملية مستمرة لإعادة قراءته ومنحه معاني جديدة تتناسب مع أسئلة كل زمن ولهذا السبب بالذات لم تبقَ كربلاء أسيرة القرن الأول الهجري لقد غادرت زمانها منذ وقت مبكر.في العراق على وجه الخصوص تحولت الواقعة إلى جزء من التكوين الثقافي للمجتمع. لم تعد مجرد ذكرى دينية أو مناسبة تاريخية بل أصبحت مرجعاً رمزياً يستدعيه الناس في لحظات الانكسار كما في لحظات النهوض. حضرت في الشعر الشعبي كما حضرت في الأدب الفصيح. وجدت طريقها إلى المنابر وإلى الأغاني وإلى الأمثال المتداولة. بل إن مفرداتها أصبحت جزءاً من اللغة اليومية التي يستخدمها العراقيون للتعبير عن الصبر والوفاء والثبات. ولعل ما يميز الذاكرة العراقية أنها لم تتعامل مع كربلاء باعتبارها حدثاً منتهياً. فالعراقي الذي عاش الحروب والحصار والإرهاب والانقسامات السياسية وجد في كثير من الأحيان صدى لتجاربه الخاصة داخل تلك القصة القديمة. ولذلك ظلت حاضرة في وجدانه لا بوصفها صفحة من الماضي بل باعتبارها مرآة يقرأ فيها أسئلة الحاضر. ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار تأثيرها رغم التحولات الهائلة التي شهدها العالم. فالتكنولوجيا تغيرت. أنظمة الحكم تبدلت. خرائط الدول أعيد رسمها مرات عديدة. غير أن الأسئلة التي طرحتها كربلاء بقيت كما هي. ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح الصمت أكثر أماناً من الكلام؟ كيف يتصرف عندما يتعارض ما يؤمن به مع ما تفرضه موازين القوة؟ وأين يقف حين يجد نفسه بين المكسب الشخصي وبين ما يمليه عليه ضميره؟هذه الأسئلة ليست دينية فقط وليست سياسية فقط. إنها أسئلة إنسانية بامتياز. وربما لهذا السبب وجدت كربلاء طريقها إلى قلوب أناس ينتمون إلى بيئات وثقافات مختلفة. فكل مجتمع عرف في مرحلة من مراحله صراعاً بين القوة والقيمة وبين المصلحة والمبدأ وبين الخوف والواجب.إن قوة كربلاء لا تكمن في أنها قدمت إجابات نهائية بل في أنها أبقت هذه الأسئلة مفتوحة. ولهذا يختلف الناس في قراءتها لكنهم نادراً ما يختلفون على أهميتها. فكل جيل يعيد اكتشافها بطريقته الخاصة ويستخرج منها ما يناسب قضاياه وتحدياته وربما هنا يكمن سر بقائها الحقيقي.فالسلطات التي واجهت خصومها عبر التاريخ ربحت معارك كثيرة. لكن القليل منها نجح في الاحتفاظ بالمكانة نفسها داخل الذاكرة الإنسانية. أما كربلاء فقد أثبتت أن الانتصار العسكري ليس دائماً هو الذي يحدد مصير الأحداث. أحياناً تربح السلطة يومها وتربح الحكاية قروناً كاملة.لهذا لم تبقَ كربلاء لأن معركة وقعت فيها. ولم تستمر لأن التاريخ قرر تخليدها. بل بقيت لأنها تحولت إلى قصة كبرى عن الإنسان حين يواجه امتحان الموقف. وكلما واجهت المجتمعات سؤال العدالة أو الحرية أو الكرامة عادت تلك القصة إلى الواجهة من جديد.بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً ما زال الناس يختلفون في السياسة ويتفقون على أن كربلاء لم تعد مجرد مكان. لقد أصبحت فكرة. والفكرة التي تنجح في السكن داخل الوعي الجمعي لا تهزمها السنوات ولا تطويها القرون.لهذا بقيت كربلاء.
|