الأربعاء 2026/6/24 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار
علي الشرقي شاعر... تميز شعره بالصورة المبتكرة والمعاني المستحدثة والعبارات الشيقة
علي الشرقي شاعر... تميز شعره بالصورة المبتكرة والمعاني المستحدثة والعبارات الشيقة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

د. رحيم هادي الشمخي

اكاديمي وكاتب عراقي

 

نشأ شاعرنا علي الشرقي , في بيت علم وأدب فقد كان والده الشيخ جعفر الشرقي من كبار الشعراء والعلماء آنذاك , كما كان خاله الشيخ عبد الحسين الجواهري – والد الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري – من المراجع الكبار والعلماء الأعلام والشعراء الأفذاذ , وكانت صلة شاعرنا به وثيقة كما كانت له قرابة أيضاًُ مع الشيخ العلامة هادي كاشف الغطاء , وهو شاعر , وقد مكنته هذه الصلات والوشائح من التحصيل الجاد ومواصلة البحث وممارسة الأدب.

ولد الشاعر علي الشرقي في مدينة النجف الأشرف عام 1890م ودرس في مدارسها الأدبية والدينية وهذه المدينة تعد من أهم المدن العلمية والأدبية المحافظة على التراث العربي الإسلامي , وقد درس فيها شاعرنا العلوم السائدة آنذاك (كالنحو والصرف والبلاغة والمنطق والأصول والفقه والفلسفة) , ولكن شاعرنا لم يكتف بهذه العلوم بل أخذ يتطلع إلى الآفاق الأدبية فيقبل على الشعر يقرأ ويحفظ منه الكثير , وكان لإلمامه الكبير بالتراث العربي القديم وإطلاعه الواسع على التيارات الأدبية التي كانت تطل على العراق في أوائل القرن العشرين من خلال الصحافة العربية في سورية ومصر ولبنان , أثر كبير في نبوغه وتفتح مواهبه فكتب الشعر وهو في سن مبكرة فقد ظهرت بواكير شعره في السياسة عام1908م, مما كان ينشره في الصحف آنذاك من قصائد تصور الحياة والمشكلات السياسية والاجتماعية , يقول في قصيدته (مناجاة النجوم) وهي من أوائل ما كتب من الشعر.

أمالئة الأبعاد علماً وحكمةً 

                     تعاليتِ أن يحوي صفاتكِ شاعرُ

نشدتكِ كم طالعتِ قَبليَّ حائراً

                     وكمْ بات يستغريك مثلي شاعرُ

أَهيمُ إِذا سابت غدائر ليلتي

                    وما أنا ممن هيمته الغدائرُ

يقول شاعرنا علي الشرقي وهو يصف بواكير حياته العلمية والأدبية في النجف واصفاً الأجواء والمجالس التي نهل منها علومه وآدابه فيقول: [نشأت ورفاقي في مدينة النجف فكانت التلمذة في أقدم مدرسة للأدب العربي تلك المدرسة التي مشى إليها الموكب من جزيرة العرب إلى الحيرة ومنها إلى الكوفة ومنها إلى النجف وهي نسيلة الكوفة أو بقيتها] .

الشرقي سياسياً

تطلع الشرقي إلى آفاق جديدة في مراحل شبابه وقد ساعده على هذا التطلع استعداده الفطري وسعة إطلاعه على الثقافات المعاصرة في البلاد العربية , وكذلك أسفاره لمناصرة الثورات العربية ضد الاستعمار في سورية والعراق ولبنان والمغرب العربي حيث زار سورية ومصر والحجاز والخليج العربي وقد ظهر أثر شعره الحافل بالصورة الجديدة المبتكرة والمعاني المستحدثة والعبارات الشيقة, أما شعره السياسي فقد طفح بحسه الوطني في مقارعة الاحتلال والدعوة إلى الحرية والاستقلال

يقول في قصيدته (تحية للعلم العربي) والتي نظمها عام 1921م

أمدينة في أثر أخرى تستبى

                     وطريقة في أثر أخرى تعتفى

حتى إذا رجفت ديار ربيعة

                     وتزعزت أرض الحجاز تخوفاً

والشام قد أودت وأودى أهلها

                    إلا قليلاً والعراق على شفا

حسب الجزيرة حيفها وحفاؤها

                    أو ما كفى ضيم البلاد أما كفى

كما أن شاعرنا الشرقي شارك بقصائده التي تنادي العرب بالجهاد ضد دول الغرب التي احتلت الأرض العربية في العراق وسورية ولبنان وليبيا , فهو في عام 1911م يكتب قصيدة عندما هاجم الإيطاليون طرابلس الغرب وبرقة

ما لروما فلا استوى عرشُ روما

                          قتلت ذيلها وعجت نباحا

نطحت (برقة) وبرقة واحات

                         من النخل ما عرفن النطاحا

أبني العرب لابراح عن الحرب

                         ولا عن الفخار براحا

ولم يغفل الشرقي جانباً كبيراً من رسالة الشاعر وهي الدعوى إلى الوحدة ونبذ الخلافات فقد كان شاعرنا يمارس هذه التجربة في شعره بأسلوب هادئ ومتزن ورصين:

هل تدري صنعاءُ ونجدُ

                  أننا نحتاج تاريخاً جديداً للعربْ

قد طُوى الفسطاط من مصر

                 وقد نامت بنو حمدان عنك يا حلبْ

وكوفة الجند اضمحلّ جندها

                 وقد خلا المنبر من تلك الخطب

بغداد ما عاد الفرات يابساً

                وأرض مصر لم تهدد بالجذبْ

براعته في الموشحات

وقد أبدع الشاعر أيما إبداع حتى يكاد لمن يقرأ هذه الوشحات أن يظن أنه يقرأ لشاعر أندلسي , ويقول شاعرنا عن السبب في ميله إلى هذه الموشحات [تجدني أحاول الزحزحة عن الاتجاه القديم فأخرج عن الأدب المدرسي حتى لا يكون ما أنظم وقفاً على طائفة خاصة اعتادت أن تجعل معاجم اللغة إلى جنب الدواوين على أني أحرص كل الحرص على اللغة الفصحى وجمالها كما وأنحرف عن القصيدة المطولة ذات الوزن المديد , إلى الشرقيات والموشحات كما في ذلك من حسن الإيقاع وبراعة الاختصار] يقول في موشحته , صفير العسس:

عدنا وعادت حالنا الراكدة

                     يسألنا التاريخ مالفائدة؟

خضنا شؤوناً جمة فلنقم

                   نفحصها واحدة واحدة

"رباعيات الشاعر ومزدوجاته"

أما رباعياته التي اشتهر بها وخاصة (مطولته) البلبل السجين, فقد اعتمد فيها على الرمزية معللاً ذلك بقوله [أما ما يشبه الرمزية التي جاءت في نواحي الديوان فقد رغبت في أن تكون في الاتجاه الذي أريده لأنها أقرب تعبير عما في النفس من الكتب ولأنها الصورة الكاملة للحس الباطني الذي أتحسس به فهي التأدية المستطاعة في عصر لم يمارس من حرية الكلام تماماً ولم يتعود الصراحة في الرأي] , يقول في رباعيته (صورة ونوازع) ,

خليلىّ ماذا يقول العراق

                   إذا قيل بغداد والنجفْ

يموج دماً قلب هذا العقيق

                  لسوق تزاحمه بالخزفْ

مضى زمن التمر يا غارسين

                     نخيلاً وجاء زمان الحشفْ

ويقول في مزدوجاته:

أيها البلبل المعلق في السجن

                 سلام لعل حالك حالي

إنني دائماً أراك بلبلي

                 هل عرفت عقم الإخاء

يكتب الشاعر علي الشرقي الشعر السخري ويستخدم الخطاب التهكمي منذ سني شبابه وكذلك الشعر الغزلي فضلاً عن الشعر الوطني وله دواوين متعددة وكثيرة مثل (ديوان الموشحات) و (المطولات) و (صور ونوازع) و (ديوان ابراهيم الطباطباني تعليق ونشر) و (ديوان السعدون) و (العرب والعراق) و (الألواح التاريخية) و (الكتاب الصغير) و (بيت الأمة) و (الإمام النائيتي) وغيرها من المقالات الأدبية  في الصحف العربية والإسلامية وهو القائل في نفسه بعد أن بلغ الخمسين:

لهفي لخمسين من سِّني قد اندرست

                            في الكتب بحثاً كأني دودة الكتبُ

انتقل إلى رحمة الله شاعرنا الكبير (علي الشرقي) يوم 11/8/1964م ورثاه العديد من الشعراء والأدباء من العراق وخارجه بعد أن ترك الكثير من الآثار الأدبية تعج بها المكتبات العربية والإسلامية

المشـاهدات 20   تاريخ الإضافـة 24/06/2026   رقم المحتوى 71623
أضف تقييـم