الأحد 2026/11/1 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 23.95 مئويـة
نيوز بار ›
المتشبع بما لم يعط، حين يدّعي الإنسان ما ليس فيه
المتشبع بما لم يعط، حين يدّعي الإنسان ما ليس فيه
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ. د. صدام العبيدي
النـص :

 

تُعدّ ظاهرة حب الظهور والتفاخر بما لا يملكه الإنسان، وادعاء ما ليس فيه، من الظواهر السلوكية التي أخذت بالانتشار في مجتمعاتنا المعاصرة، حتى أصبح بعض الناس يسعون إلى صناعة صورة وهمية لأنفسهم، تتجاوز واقعهم وإمكاناتهم الحقيقية، طلباً للإعجاب، وسعياً وراء المكانة الاجتماعية، والتقدير بين الآخرين، ولو كان ذلك على حساب الصدق والنزاهة، وبالاستعانة بالكذب والتضليل والانتحال. وقد حذرنا النبي عليه الصلاة والسلام من هذا السلوك تحذيراً واضحاً، فقال: "المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور". وهذا الحديث يحمل دلالة أخلاقية عميقة، ويكشف خطورة ادعاء الإنسان ما ليس له، أو إظهار نفسه بمظهر لا يعكس حقيقته. وقد ورد هذا الحديث حين جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله، إن لي ضرة، فهل عليَّ جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ ومعنى هذا أنه هل يجوز لها أن تُظهر أمام ضرتها أن زوجها يمنحها من العطاء والاهتمام والمكانة ما لم يمنحها في الحقيقة، رغبةً في إثارة إعجابها، أو إشعارها بأنها تحظى بمكانة أكبر عنده؟ فجاء جواب النبي عليه الصلاة والسلام بهذا التحذير البليغ، ليؤكد أن التظاهر بما لم يحصل عليه الإنسان نوع من الكذب والتدليس، حتى وإن كان الدافع إليه مجرد الرغبة في الظهور بمظهر أفضل أمام الآخرين. فالمتشبع بما لم يُعط إنما يكذب على نفسه أولاً حين يقنعها بصورة لا تمت إلى واقعه بصلة، ويكذب على الآخرين حين يوهمهم بأنه يمتلك ما لا يمتلك، أو حقق ما لم يحقق. ولذلك شبّهه النبي عليه الصلاة والسلام بمن يلبس ثوبي زور، في إشارة إلى اجتماع الكذب والتضليل في سلوكه، فهو لا يكتفي بإخفاء الحقيقة، بل يصنع لنفسه حقيقة مزيفة يريد للناس أن يصدقوها. وقد جاء القرآن الكريم مؤكداً هذا المعنى ومحذراً من ادعاء الإنسان ما لم يفعل، والسعي إلى نيل الثناء والمدح دون استحقاق، قال تعالى: "ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم". (آل عمران: 188). وإذا تأملنا واقعنا الاجتماعي اليوم، وجدنا صوراً متعددة لهذا السلوك؛ فهذا شخص يتحدث عن ثروات وأموال وممتلكات لا يملك منها شيئاً، ويحرص على إظهار نفسه بمظهر الميسور وصاحب النفوذ، وآخر ينسب إلى نفسه مكانة علمية لم يبلغها، أو يدّعي شهادات وألقاباً علمية لم يحصل عليها، ظناً منه أن تلك الألقاب كفيلة برفع شأنه وكسب احترام الناس وتقديرهم. وثمة من يتفاخر بعلاقاته الواسعة مع المسؤولين وأصحاب القرار والمتنفذين، ويصوّر نفسه على أنه قريب من مراكز القوة والتأثير، بينما لا تعدو تلك العلاقات أن تكون ادعاءات لا أساس لها من الصحة. كما نجد من يختلق القصص عن حياته الشخصية، ويبالغ في تصوير اهتمام الآخرين به، كالفتاة التي تدعي أن أعداداً كبيرة من الشباب يتسابقون إلى خطبتها، وهي إنما تفعل ذلك لتصنع لنفسها صورة اجتماعية مرغوبة، أو لتكسب إعجاب المحيطين بها. والأخطر من ذلك أن يتحول هذا السلوك من مجرد مبالغات عابرة إلى ثقافة اجتماعية يتنافس فيها الناس على صناعة المظاهر، فيصبح المعيار هو ما يظهره الإنسان لا ما يمتلكه حقيقة، وما يدّعيه لا ما يحققه فعلاً، وما يقوله عن نفسه لا ما تشهد به أعماله وسيرته. إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يدّعي امتلاكه من مال، ولا بما يحمل من ألقاب، ولا بعدد الشهادات التي يتباهى بها، ولا بحجم علاقاته المزعومة، وإنما تُقاس بما يمتلكه من علم حقيقي، وخلق كريم، وعمل نافع، وصدق في القول والسلوك. فالشهادة التي لم يحصل عليها صاحبها لا تمنحه علماً، واللقب الذي ينتحله لا يصنع منه عالماً، والمال الذي يتحدث عنه دون أن يملكه لا يمنحه مكانة، والعلاقات التي يختلقها لا تجعله صاحب نفوذ. إن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى استعارة مكانة الآخرين، ولا إلى اختلاق إنجازات لم يحققها، ولا إلى ارتداء أقنعة تخفي حقيقته؛ لأنه يدرك أن الاحترام الحقيقي لا يُشترى بالمظاهر، ولا يُنال بالادعاءات، بل يُكتسب بالصدق والعمل والاستحقاق. ومن هنا، فإن علينا أن نعيد الاعتبار لقيمة الصدق والتواضع، وأن نربي أنفسنا وأبناءنا على الاعتزاز بالحقيقة، مهما كانت بسيطة، بدلاً من الانسياق وراء المظاهر الزائفة. فليس العيب أن يكون الإنسان قليل المال، أو محدود العلاقات، أو لم يحصل على أعلى الشهادات، وإنما العيب أن يدّعي ما ليس عنده، وأن ينسب إلى نفسه ما لم يحققه، وأن يجعل من الكذب وسيلة لصناعة صورة وهمية أمام الناس. فليكن الإنسان على حقيقته، وليفتخر بما يملك، وليعتز بما أنجز، ولا يسع إلى مكانة لا يستحقها؛ فالمكانة التي تُبنى على الزيف سرعان ما تسقط، أما المكانة التي يؤسسها الصدق والعلم والعمل فتبقى راسخة في النفوس. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى أن تتخلص من ثقافة الادعاء والتظاهر، وأن تستبدل بها ثقافة الإنجاز والاستحقاق؛ فليس العظماء من يتحدثون كثيراً عما يملكون، بل من تشهد أعمالهم بما هم عليه. ولنتذكر دائماً تحذير نبينا عليه الصلاة والسلام: "المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور"، حتى لا نكون ممن يطلبون التقدير بالكذب، ويبحثون عن المكانة بالادعاء، فيخسرون صدقهم واحترامهم لأنفسهم قبل احترام الآخرين لهم.

المشـاهدات 32   تاريخ الإضافـة 31/10/2026   رقم المحتوى 72987
أضف تقييـم