الأربعاء 2026/4/1 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم جزئيا
بغداد 20.95 مئويـة
نيوز بار
أمريكا والعالم: مشكلة البراءة من التاريخ
أمريكا والعالم: مشكلة البراءة من التاريخ
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. رحيم هادي الشمخي
النـص :

العالم الذي يعتبر أن التاريخ هو مصدر غني وإلهام له يحاول دائماً أن يوازن في حركته بين التراث والتجدد وأن يبني سياساته والمواقف على المخزون التاريخي والاستجابة للتحديات الجديدة وحقائق الجغرافيا، فالماضي ليس أرضاً أخرى بالنسبة إلى شعوب العالم بل الأرض التي تقف فوقها وتقاتل من أجلها وتعيش عليها ولها، والصراعات مهما تكن جديدة ليست خالية من ذاكرة الماضي وتجارية وهذا يجعل أمريكا تتعثر في محاولاتها لحل الصراعات بمقدار ما يتحتم في بناء ذاتها إلى حد أنها صارت العظمى، الوحيدة في الكون، وهو بالمقابل ما يقود معظم شعوب العالم إلى التصرف كأن الصراعات والخلافات تتغير أشكالها والوسائل من دون أن تتغير كثيراً بمقدار ما تبقى أصيلة حتى في البحث عن التسويات كما في حال أوروبا التي ا نتقلت من الحروب إلى الاتحاد وبقيت أوروبا التاريخ والمستقبل معاً.ذلك أن العالم يؤمن بالفكرة التي عبر عنها الروائي الأمريكي، (وليم فولكز)، بالقول (الحاضر بدأ قبل عشرة آلاف سنة، والماضي يبدأ الآن)، أما أمريكا، فإنها تؤمن بقول الرئيس (إبراهام لينكولن)، دوغما الماضي الهادئ غير ملائمة للحاضر العاصف يجب أن تفكر بشكل جديد وتعمل بطريقة جديدة) حتى الجغرافيا فإنها ليست مسألة بالنسبة إلى أمريكا، إلى حد أن الكاتب الساخر بيرس يقول (إن الحرب هي طريقة الله لتعليم الأمريكان الجغرافيا)، ومن هنا تبدأ المشاكل، فالمؤرخ البريطاني (آريك هو بسباون) يقول في مذكراته الصادرة حديثاً تحت عنوان (أزمنة ممتعة) أن حرب العراق وأفغانستان مرعية ولكنه لا يقارن كأزمة بالحرب العالمية الثانية أو الأولى أو الحرب الباردة وقد ارتكبت أمريكا غلطة كبيرة عند دخولها العراق وتدمير ليبيا ، غير أن الأمريكي المسؤول والأمريكي العادي يرددان أمام كل من يزور أمريكا، تغيرنا وأصبحنا نقرأ في كتاب جديد وعلى العالم أن يتخلى عن الكتب القديمة ليقرأ في الكتاب الجديد، وكل شي صار محدداً لا بالقرون بل بما قبل احتلال العراق وما بعد احتلال ليبيا والمؤامرة الكبرى على سورية وقتل شعبها الآمن في دياره ومؤسساته، هكذا اندفعت أمريكا إلى احتلال أفغانستان وريحتها بسهولة قبل أن تكتشف أن التاريخ والجغرافيا في ذلك البلد يعملان ضدها وإن كانا لا يعملان لمصلحة الشعب الأفغاني عبر إخراجه من الفقر والتخلف، ثم اندفعت في احتلال العراق أرضاً وشعباً وانتصرت بسرعة قياسية قبل أن تصطدم بالواقع الصعب في العراق وتعترف بالفوارق الثقافية وبالحاجة إلى فهم التعقيدات في المجتمع العراقي ثم في المنطقة وهي كانت ولا تزال وعلى مدى عقود وعهود تحاول تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولكن من خارج الرؤية التاريخية للصراع والبعد الجغرافي له، وبالتالي الجغرافي ـ السياسي ، وهذا واحد من أسباب الفشل إذ حتى الرئيس السابق كلنتون الذي بذل مجهوداً كبيراً في (كامب ديفيد) ثم في طابا، كان يستغرب لماذا تتفائل الشعوب على أرض جرداء وتخسر حاضرها ومستقبلها وهي تتمسك بالماضي، أما الرئيس السابق الإرهابي (بوش) فإنه جاء إلى قمتي شرم الشيخ والعقبة متصوراً أن القوة تحل كل شيء وأن (التضاريس) السياسية والجغرافية في الشرق الأوسط تزول بمجرد الإرادة لدى الأمريكان وسيدها في البيت الأبيض، أما أوباما فهو لم يلاحظ الفوارق الثقافية عندما وصف الطريقة التي سيتبعها في تحريك المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعبارة تكساسية يستخدمها رعاة البقر، وفحواها، إن الراعي الراكب على الحصان يدفع القطيع إلى أمام بالعصا، لكن الوصفة التكساسية فشلت لأسباب عدة بينما أن نتنياهو يعرف اللعبة الأمريكية، ويستطيع أن يطوق أوباما من الداخل عبر الكونغرس وسواه.وفي واشنطن حالياً محاولة لفهم العالم غير أنها لا تزال قاصرة لأنها عملياً محاولة لجعل العالم يفهم أمريكا أكثر مما تعمل هي لفهمه، فالسؤال المطروح: (لماذا يكرهوننا)؟ والجهد المبذول عنوانه، كيف نحسن صورة أمريكا في الخارج؟، والمشكلة هي الهرب من السؤال الحقيقي، فمن الواقع تحسين الصورة إذا كان الأصل قبيحاً، والأصل هو السياسة الخارجية الأمريكية المنحازة لإسرائيل في احتلالها، ومن دون تغيير السياسة فإن كل ما تفعله (الدبلوماسية العامة) التي صارت الآن من أهم الأسلحة الأمريكية هو تأكيد حوار الطرشان.وليس أمراً خارج سياق الأحداث أن يأخذ كاتب أمريكي قول فيلسوف قديم ليبني عليه رأياً يختصر الحاضر، الفيلسوف قال: [كل حضارة تأخذ الدراما التي تستحقها]، والكاتب أضاف، [الإغريق أخذوا التراجيديا والأمريكان أخذوا مساخر على التلفزيون ينسونها في اليوم التالي]، لكن ما يبقى في الذاكرة هو قول صحافية مهمة في حوار مع زوار من الشرق الأوسط حول أحداث 11/9 وهو أنها (أخذت من البراءة) وتلك بالطبع براءة الناس العاديين، أما الذين يديرون الإمبراطورية الأمريكية، فإن البراءة الوحيدة  التي يعرفونها هي البراءة من التاريخ.

المشـاهدات 63   تاريخ الإضافـة 01/04/2026   رقم المحتوى 70923
أضف تقييـم